
قبيل اجتماع وزراء دفاع الناتو في بروكسل (12 فبراير 2026)، لم تكن رسالة واشنطن تكتيكية ولا انفعالية، بل أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة في التاريخ الأطلسي:
التحالف مستمر… لكن مركز ثقله يتغير
السؤال لم يعد متعلقاً ببقاء الولايات المتحدة في الناتو، بل بطبيعة هذا البقاء:
هل ستبقى قوة ضامنة تقود وتدفع وتقرر؟
أم تتحول إلى قوة موازِنة تراقب من الخلف وتفرض الشروط من الأعلى؟
ما نشهده ليس تهديداً بالانسحاب، بل إعادة تعريف للعقد غير المكتوب الذي حكم العلاقة منذ 1949.
أولاً: نهاية “الضامن الأبوي”
تصريحات السفير الأمريكي ماثيو ويتاكر لم تكن مجرد رد على توصيف “كرة الهدم”، بل إعلان قطيعة مع فلسفة الضمان غير المشروط.
منذ الحرب الباردة، قامت المعادلة على ثلاث ركائز:
• أمن أوروبي مضمون أمريكياً.
• تبعية استراتيجية أوروبية.
• قيادة عسكرية أمريكية مطلقة.
إدارة ترامب تفكك هذه المعادلة جزئياً، لا لإسقاطها، بل لإعادة توزيع أعبائها.
التحول الحقيقي يكمن هنا:
• الصين أصبحت التهديد البنيوي الأول.
• روسيا لم تعد خصماً وجودياً للولايات المتحدة، بل تحدياً إقليمياً لأوروبا.
• الموارد الأمريكية لم تعد كافية لتمويل ردعين كاملين في آنٍ واحد.
بمعنى أدق: واشنطن تعيد تعريف أوروبا من “جبهة مركزية” إلى “جبهة ثانوية يجب أن تُدار ذاتياً”.
ثانياً: تسليم القيادة… إعادة تموضع لا انسحاب
تسليم قيادات مثل نابولي ونورفوك لأوروبيين ليس مجرد خطوة إدارية، بل اختبار عملي لمدى استعداد أوروبا لتحمل القيادة العملياتية.
لكن يجب التمييز بين نوعين من القيادة:
• القيادة العملياتية (إدارة القوات والمهمات اليومية).
• القيادة الاستراتيجية العليا (القرار النووي، الاستخبارات بعيدة المدى، أنظمة الإنذار المبكر، الفضاء السيبراني).
الولايات المتحدة قد تتخلى عن الأولى تدريجياً، لكنها لن تتنازل عن الثانية بسهولة.
وبذلك يتحول الناتو إلى صيغة هجينة:
أوروبا تنفذ… وواشنطن توازن وتردع من الأعلى.
هذه ليست نهاية النفوذ الأمريكي، بل إعادة تموضعه بتكلفة أقل.
ثالثاً: عقيدة كولبي… لحظة الحسم مع الصين
ألبريدج كولبي يمثل مدرسة ترى أن التاريخ الاستراتيجي دخل مرحلة “صراع القوى العظمى”، وأن الصين هي التحدي الهيكلي الوحيد القادر على تقويض التفوق الأمريكي.
ضمن هذه الرؤية:
• كل لواء في أوروبا هو نقص في المحيط الهادئ.
• كل دولار يُصرف لردع روسيا هو دولار لا يُستثمر في احتواء بكين.
إعادة تقييم انتشار 90 ألف جندي أمريكي في أوروبا تعني أن واشنطن قد تنتقل من سياسة “الردع المتقدم” إلى سياسة “الردع المشروط”، حيث يكون التدخل الأمريكي خياراً لا افتراضاً.
الأوروبيون لم يعودوا مطالبين فقط بإنفاق 2%، بل ببناء قدرات قادرة على:
• خوض حرب استنزاف طويلة.
• إنتاج ذخائر بكميات صناعية.
• حماية أجوائهم دون مظلة أمريكية فورية.
التحول هنا نوعي، لا كمي.
رابعاً: الفراغ النووي… عقدة الاستقلال الحقيقي
انتهاء “نيو ستارت” يعيد أوروبا إلى معضلة الردع النووي.
الواقع الاستراتيجي يقول:
• فرنسا تملك قدرة ردع مستقلة لكنها محدودة مقارنة بالترسانة الأمريكية.
• بريطانيا نووية لكنها خارج الإطار المؤسسي الأوروبي.
• ألمانيا تفتقر إلى خيار نووي ذاتي لأسباب تاريخية وسياسية.
“الاستقلال الاستراتيجي” دون مظلة نووية مستقلة يبقى مفهوماً ناقصاً.
وهنا تكمن المفارقة: أوروبا تريد الاستقلال، لكنها لا تريد دفع كلفته الكاملة.
خامساً: موسكو… استراتيجية تفكيك بلا رصاصة
تصريحات لافروف ليست تطميناً بقدر ما هي رسالة مزدوجة:
• لا نهددكم… ما دمتم لا تتحولون إلى منصة تهديد.
• الشرخ بينكم وبين واشنطن يخدم الاستقرار أكثر من سباق التسلح.
الكرملين يدرك أن أفضل سيناريو له ليس الانتصار العسكري، بل تآكل التماسك الأطلسي.
الانقسام الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي أخطر على أوروبا من أي مناورة عسكرية روسية.
سادساً: هل تستطيع أوروبا التحول إلى قطب عسكري؟
نظرياً، نعم.
لكن التحول يتطلب ثلاثة شروط صعبة:
1. قرار سياسي موحد
الانقسام بين باريس وبرلين من جهة، ودول البلطيق وبولندا من جهة أخرى، يعكس اختلافاً في تعريف التهديد ذاته.
2. قاعدة صناعية عسكرية متكاملة
أوروبا تعاني تشتتاً في أنظمة التسليح وسلاسل الإمداد، ما يضعف الكفاءة ويضاعف التكاليف.
3. قدرة اقتصادية على التحمل
التباطؤ الألماني وأزمات الطاقة تجعل رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستوى ردعي فعلي تحدياً داخلياً حساساً.
بناء “جيش أوروبي موحد” ليس مشروعاً عسكرياً فقط، بل ثورة سياسية داخل الاتحاد نفسه.
الخلاصة: إعادة هيكلة لا تفكيك… لكن بشروط قاسية
ما نشهده ليس انهيار الناتو، بل انتقاله من:
ناتو تقوده أمريكا بالكامل
إلى
ناتو تتحمل فيه أوروبا العبء الميداني بينما تحتفظ واشنطن بامتياز القرار الاستراتيجي الأعلى.
إدارة ترامب تمارس ضغطاً تفاوضياً قاسياً لإجبار أوروبا على تسريع التحول الذي كان مؤجلاً لعقود.
لكن السؤال الأعمق ليس عن نوايا واشنطن، بل عن قدرة أوروبا:
هل تملك الإرادة السياسية لتتحول من “قوة اقتصادية عملاقة” إلى “قوة عسكرية مكتملة الأركان”؟
أم ستظل عالقة بين خطاب الاستقلال وواقع الاعتماد؟
مؤتمر ميونيخ لن يكون مجرد منصة خطابات، بل لحظة اختبار تاريخية:
هل يدخل الناتو مرحلة إعادة التوازن؟
أم يبدأ مسار التآكل البطيء لتحالف شكّل العمود الفقري للنظام الغربي منذ 1949?







