
لا تولد فكرة استقلال القضاء مكتملة، بل تُختبر حين تُحاصر. وفي اللحظات التي تضيق فيها المسافة بين القاضي والسلطة، يظهر الفارق بين من يحفظ النص ومن يحمي المعنى. هنا تبدأ حكاية جيلٍ لم يكتفِ بالحديث عن الاستقلال، بل دفع ثمنه علنًا.
في قلب هذه الحكاية يقف ممتاز نصار، رجلٌ جمع بين المنصة والبرلمان، وبين الهدوء المهني والاشتباك الوطني. وُلد في 9 نوفمبر 1912 بالبداري في أسيوط، ومشى طريق القضاء حتى صار نائب رئيس محكمة النقض وعضو مجلس القضاء الأعلى، ثم رئيسًا لنادي القضاة بين 1962 و1969.
تلك السنوات لم تكن عادية. السلطة أرادت قضاءً مُنضبط الإيقاع، بينما أراده نصار مستقيم الميزان. حين طُلب من القضاة الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي، قال كلمته الواضحة: القضاء ملك الشعب كله، لا جناحًا في حزب ولا ملحقًا بسلطة.
جاء عام 1969 بما سُمّي لاحقًا «مذبحة القضاء». خرج نصار من المنصة، لكنه لم يخرج من المعركة. سُوّي معاشه على أساس رئيس محكمة النقض، المنصب الذي كان سيشغله بحكم الأقدمية، وكأن الدولة تعترف ضمنًا بما حاولت كسره علنًا.
بعد الخروج القسري من القضاء، اختار طريقًا أشد وعورة: السياسة. ترشّح لعضوية مجلس الشعب عن دائرة البداري بأسيوط عام 1976، ففاز من أول مواجهة، وبرز كأحد أنشط النواب في الاستجواب والرقابة.
تحت القبة، واجه أنور السادات وسياساته، ووقف ضد توقيع اتفاقية كامب ديفيد. لم تكن المعارضة خطابًا، بل موقفًا أدّى إلى حل البرلمان عام 1979، وكان اسم ممتاز نصار في صدارة الأسباب.
عاد إلى الانتخابات بعد الحل، ورغم محاربة الدولة، خرج أهل دائرته يحرسون الصناديق بأجسادهم. فاز، ووصِف يومها بـ«النائب الذي انتصر على الرئيس». تجربةٌ أكدت أن القاضي حين ينزل السياسة لا يفقد وقاره، بل يمنحها معيارًا.
في مطلع الثمانينيات، جمعني الوفد بالمستشار ممتاز نصار. في قاعات اجتماعات الحزب، كان الرجل قد أنهكه العمر ولم تُنهكه الفكرة. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكن حضوره وحده كان درسًا في أن الاستقلال لا يُورّث بالكلمات بل بالسلوك.
إلى جواره، وفي خطٍّ موازٍ لا يقل صلابة، يقف يحيى الرفاعي، الاسم الذي صار مرادفًا لمعركة استقلال القضاء في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. قاضٍ لم يقبل أن تُدار العدالة من خارج قاعاتها.
في مؤتمرات العدالة، وفي كلمات أُلقيت على مسامع السلطة مباشرة، قال الرفاعي ما لم يكن مألوفًا. بعض تلك الكلمات قيلت في حضور الرئيس حسني مبارك، وتحولت بعدها إلى أزمات مكتومة بين القضاء والسلطة التنفيذية.
كان يؤمن أن القاضي إذا خاف، فقدَ المجتمع ملاذه الأخير. وأن استقلال القضاء لا يُحمى بالصمت، بل بالمواجهة المحسوبة. لذلك لم يكن غريبًا أن يُنظر إليه بوصفه صوتًا مزعجًا، لا لأنه يصرخ، بل لأنه يذكّر.
هنا يتقاطع العام بالخاص. في أوائل الألفية، وأثناء الإعداد لبرنامج سياسي موسّع لحزب الغد، طرقتُ باب منزل المستشار يحيى الرفاعي في الزمالك، المنزل المواجه لكلية الفنون الجميلة، والجوار الذي سهّل اللقاء وعمّقه.
جلستُ مع الرجل الكبير أعرض عليه البرنامج، خاصة الفصل المتعلق باستقلال القضاء. كان الفصل مطوّلًا، دقيقًا، ومشحونًا بتجارب مررنا بها. قرأ، وعلّق، وأبدى حماسًا صريحًا للفكرة قبل الصياغة.
في لحظة صدق، عرضتُ عليه أن يكون رئيسًا شرفيًا للحزب. لم يرفض، بل طلب وقتًا للتفكير. وبعدها اعتذر بأدبٍ شديد، مبررًا ذلك بأسباب صحية بحتة، ومؤكدًا أن هذا الاعتذار لا يمنعه من إبداء الرأي والمشورة في كل ما يتصل باستقلال القضاء داخل البرنامج وأنشطة الحزب.
ذلك الموقف، بقدر ما كان شخصيًا، كان كاشفًا لطبيعة الرجل. استقلالٌ لا يُقايض بالمواقع، وحضورٌ لا يحتاج إلى لافتة. هكذا تُصان الفكرة حين تُقدَّم على الذات.
بين ممتاز نصار ويحيى الرفاعي خيطٌ واضح. الأول واجه من موقع القاضي ثم النائب، والثاني واجه من موقع القاضي الذي رفض الانسحاب إلى الصمت. كلاهما فهم أن العدالة حين تُحاصر، لا يكفي أن تُدافع عن نفسها داخل الملفات.
هذا الجيل لم يورّثنا نصوصًا فقط، بل ورّثنا سؤالًا مفتوحًا. هل يمكن لقضاءٍ أن يكون مستقلًا في نظامٍ لا يحتمل الاستقلال؟ سؤالٌ ستجيب عنه الحلقة الثالثة، حين نصل إلى زمن الأحكام الفاصلة والكلفة الشخصية.
إلى ذلك الحين، تبقى هذه الأسماء علاماتٍ لا تُمحى. لأن الوجوه التي وقفت حين كان الوقوف مكلفًا، لا تغيب، مهما تغيّرت الأزمنة.







