تقرير بريطاني: مركزية القرار في مصر تعمّق أزمة المجال العام وتفتح تساؤلات حول دور المعارضة والإعلام

ترجمة وإعداد: أخبار الغد
سلّط تقرير رسمي بريطاني الضوء على طبيعة المشهد السياسي في مصر، معتبرًا أن درجة المركزية العالية في صناعة القرار باتت واحدة من أبرز السمات الحاكمة للحياة العامة، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما أيضًا في طريقة إدارة الملفات الاقتصادية والإعلامية والمجتمعية. وبحسب التقرير، فإن تركّز الصلاحيات داخل دوائر السلطة التنفيذية يمنح الدولة قدرة كبيرة على ضبط المشهد والتحكم في إيقاعه، لكنه في المقابل يثير أسئلة متزايدة حول حدود المشاركة السياسية، وحجم الدور المتاح لبقية الفاعلين داخل المجال العام.
ويشير التقرير إلى أن المعارضة السياسية ما تزال تعمل في نطاق ضيق،
في ظل قيود تؤثر على حركتها التنظيمية وقدرتها على الحشد والتأثير، وهو ما يجعل حضورها في كثير من الأحيان أقرب إلى الوجود الشكلي منه إلى الفاعلية الحقيقية. وهذه النقطة لا تتعلق فقط بعدد الأحزاب أو بوجود كيانات سياسية من عدمه، وإنما ترتبط أساسًا بمدى قدرتها على الوصول إلى الناس، والتعبير بحرية عن مواقفها، وطرح بدائل قابلة للنقاش والتداول. فوجود معارضة بلا مساحة حركة كافية، يعني عمليًا أن المشهد يفقد أحد أهم عناصر التوازن السياسي.
وفي السياق نفسه، يربط التقرير بين مركزية القرار وبين طبيعة المشهد الإعلامي،
معتبرًا أن القيود المفروضة على الإعلام تنعكس بشكل مباشر على مستوى التعددية، وعلى قدرة المنصات المختلفة على طرح زوايا نظر متباينة بشأن القضايا العامة. فالإعلام، في أي دولة، لا يُقاس فقط بعدد المؤسسات أو حجم البث، بل بقدرته على مساءلة السياسات، وعرض الرأي والرأي الآخر، وفتح المجال أمام النقاش العام. وحين تصبح هذه المساحة محدودة، فإن وظيفة الإعلام تتراجع من كونه ساحة للنقاش المجتمعي إلى مجرد ناقل للرواية الرسمية أو المتوافق عليها.
كما يتناول التقرير مسألة الرقابة على النشاط السياسي والرقمي، موضحًا أن المتابعة المستمرة لما يُنشر أو يُتداول في الفضاء العام، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت جزءًا من البيئة السياسية القائمة. وهذه المسألة تحمل دلالة مهمة، لأن المجال الرقمي كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره آخر المساحات المفتوحة نسبيًا أمام التعبير، لكن مع تشديد الرقابة عليه، تتقلص حتى هوامش النقاش غير التقليدي، وتصبح قدرة الأفراد والمجموعات على التعبير أكثر حذرًا وتقييدًا.
ومن زاوية أعمق، فإن التقرير لا يقدّم هذه الملاحظات بوصفها مجرد انتقادات منفصلة، بل يضعها داخل صورة أشمل تقول إن الاستقرار في مصر يُدار من أعلى، عبر منظومة شديدة الانضباط، تفضّل التحكم في المجال العام على توسيعه. وهنا تبدو المعضلة الأساسية: فالدولة تراهن على أن القبضة الأكثر إحكامًا تضمن الاستقرار وتمنع الفوضى، بينما ترى دوائر غربية وحقوقية أن غياب الحيوية السياسية والإعلامية قد يؤجل الأزمات لكنه لا يعالج جذورها، لأن المجتمعات لا تظل متماسكة فقط عبر السيطرة، بل أيضًا عبر وجود قنوات مشروعة للتعبير والتنفس والمراجعة.
وتبرز أهمية هذه القراءة في توقيتها أيضًا، إذ تأتي في لحظة تواجه فيها مصر تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، تتطلب بطبيعتها مجالًا عامًا أكثر قدرة على النقاش، وتحمّل النقد، وإشراك قطاعات أوسع من المجتمع في التفكير في الحلول. فكلما زادت الضغوط المعيشية، زادت الحاجة إلى خطاب سياسي وإعلامي قادر على استيعاب الغضب الاجتماعي، لا الاكتفاء بإدارته أمنيًا أو إداريًا. ومن هنا، فإن الحديث عن مركزية القرار لا ينفصل عن الملف الاقتصادي، لأن الاقتصاد نفسه يحتاج إلى شفافية ومحاسبة وتواصل مجتمعي حقيقي حتى يكتسب أي برنامج إصلاحي قدرًا من القبول والاستمرار.
ويفهم من التقرير أن المشكلة لا تكمن فقط في شكل السلطة، بل في أثر هذا الشكل على المدى البعيد. فحين تُختزل السياسة في دائرة ضيقة، وتُهمَّش المعارضة، ويُقيد الإعلام، يصبح المجال العام أقل قدرة على إنتاج حلول ذاتية، وأكثر اعتمادًا على ما تقرره السلطة وحدها. وهذا قد يمنح سرعة في اتخاذ القرار، لكنه يضعف في الوقت نفسه آليات التصحيح والمراجعة، وهي آليات ضرورية لأي نظام يريد أن يحافظ على تماسكه وفاعليته معًا.
وفي المجمل، يقدم التقرير صورة تقول إن مصر تعيش معادلة قائمة على استقرار واضح في الشكل، لكنه استقرار تحيط به أسئلة مستمرة حول طبيعة المجال العام، وحدود التعددية، وإمكانية بناء حياة سياسية أكثر انفتاحًا وتوازنًا. وهي أسئلة لا تبدو هامشية في نظر المؤسسات الغربية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من أي تقييم خارجي للمشهد المصري، خاصة في ظل الربط المتزايد بين الاستقرار الحقيقي وبين وجود مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع والخلاف، لا فقط ضبطه والسيطرة عليه.
المصدر موقع الحكومة البريطانية







