
حين تُتهم جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب، فإن أول من يصمت ليس القانون.. بل التاريخ. فمنذ فلسطين 1948، مرورا بسجون عبد الناصر، وحتى ميادين يناير، كانت الجماعة جزءا من ضمير الأمة.. لا تهديدا لها.
في شرق أوسط يُعاد تشكيله على عين القوى الكبرى، تتحوّل الحركات الإسلامية إلى موضوع دائم لمحاولات التصنيف والتوظيف معا، بين فزّاعة تُرفَع في وجه الشعوب وورقة تُستخدم في صفقات الإقليم.
في هذا المشهد الملتبس يبقى السؤال مفتوحا: أين تقف جماعة الإخوان المسلمين اليوم؛ كحركة مشروعٍ نهضوي أم طرف في لعبة التوظيف التي يصنعها الآخرون؟ وبين الوظيفة والتوظيف يظل السؤال معلَّقا: أين تقع جماعة الإخوان المسلمين في خريطة الصراعات الراهنة؟ بين من يقدِّمها على أنها مجرد “فزّاعة” تصنعها الأنظمة لتبرير القمع، ومن يصمها بأنها “إرهابية” يجب استئصالها؛ تضيع أحيانا حقيقة أنها في أصل نشأتها ومسارها الطويل حركة إصلاحية ذات بُعد جهادي، لها مشروعها الواضح في إعادة بناء الإنسان والمجتمع.
ظلّت الحركة تتأرجح في عيون خصومها بين “الحل” و”الحظر”، لأن سؤالا واحدا يقلقهم دائما: كيف يمكن القضاء على تنظيمٍ يتجاوز وجوده حدود التنظيم ويتجسّد في وعي وأمل وشبكة علاقات ممتدة؟ موقع الإخوان قبل أن يكون تنظيما وهياكل ولوائح؛ هو موقع فكري وروحي -فكرة عن الإسلام ورسالة في الحياة العامة- أكثر منه مجرد كيان إداري يناور داخل خرائط السياسة.
ولهذا ظلّت الحركة تتأرجح في عيون خصومها بين “الحل” و”الحظر”، لأن سؤالا واحدا يقلقهم دائما: كيف يمكن القضاء على تنظيمٍ يتجاوز وجوده حدود التنظيم ويتجسّد في وعي وأمل وشبكة علاقات ممتدة؟
الإخوان -في جوهرهم- فكرة قبل أن يكونوا تنظيما، وفكرة من هذا النوع لا تُقاس بقوة القبضة الأمنية بل بقوة الإيمان بها، وصدق من يحملونها، وقدرتهم على تجديدها دون أن يتخلّوا عن روحها الأولى.
واللافت أن وصف جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب ليس وصفا لتنظيم بقدر ما هو استهداف للفكرة نفسها، فكرة أن يكون للإسلام حضور مُلهِم في المجال العام، يربط بين العبادة والعدل وبين الإيمان وحياة الناس.
وهذا في حد ذاته ردٌّ على من يدّعي أن الإخوان يرفضون سلوك منهج العنف خوفا من التصنيفات الغربية أو الدولية.. فاختيارهم لمسارٍ سلمي إصلاحي لم يُبنَ على هاجس “التصنيف”، بل على فهمهم للإسلام ومنهجه في التغيير كما تلقّوه في تراثهم التربوي والفكري.
لذلك ظلّوا شوكة في حلق الصهاينة وأعوانهم -لا لأنهم يمارسون إفراطا ولا تفريطا- بل لأنهم يصرّون على أن تبقى الأمة وسطا بالمفهوم الإسلامي الصحيح؛ فإذا انجرفت بين الغلو في جانب.. والتمييع في الجانب الآخر.. ضاعت هويتها، وسهل بعدها إعادة تشكيلها ضمن أي خرائط وظيفية يُراد لها أن تتواجد فيها.
المشروع مقابل التوظيف
الجماعة الوظيفية -في أبسط تعريف- ليست جماعة خرجت من قلب المجتمع تبحث عن مشروع، بل جماعة يُعاد تشكيلها من الخارج، يُسمَح لها بالحركة داخل حدود مرسومة سلفا، ويُربط وجودها بأداء دور محدَّد: تهدئة الشارع، تجميل وجه السلطة، أو القيام بأعباء اجتماعية وأمنية لا تريد الدولة أن تُنسَب إليها مباشرة.
أمّا توظيف الجماعة فهو أمر مختلف، فنتحدّث عن جماعة وُلدت بمشروعها الخاص، ثم وجدت نفسها في لحظة تاريخية داخل مساحة حركة ضيقة تحاول أن تستثمرها لصالح دعوتها، بينما تحاول قوى أخرى في الوقت نفسه استثمار حضورها لصالح حساباتها هي.
أحيانا يتم هذا التوظيف دون أي تنازل من الجماعة، مجرّد استغلال لرمزيتها، وأحيانا عبر تفاهمات -تُدرِك الجماعة الفارق بينها وبين التنازلات- تراها خادمة للمشروع، وأحيانا ثالثة تكون الجماعة هي التي توظّف اللحظة والنافذة القانونية المتاحة لتوسيع تأثيرها، بشرط ألّا ينقلب هذا الحرص البراغماتي إلى ذوبان بطيء في منطق الدولة الوظيفية أو تخلٍّ صامت عن جوهر ما آمنت به في البداية.
وهنا يتكرر السؤال المحوري: كيف تُحدِّد الجماعة موقعها من الخريطة السياسية؟.. سؤالٌ لا يجيب عنه بيانٌ ولا خطاب، بل مسار الفعل وخيارات الواقع.
أما التصنيفات والتوظيفات فهي أمور تتأرجح صعودا وهبوطا، وتمر بدورات انتعاش وخفوت. لكن المهم حقا: ما هي مرجعية كل قرار؟ هل هو انحراف عن منهج الجماعة أم تمسك بالمنهج؟
هنا يتبدّى الفارق بين التأقلم والانزلاق، بين المرونة العقدية والانتهازية السياسية. تحديد البوصلة لا يكون بقرارات تُفرَض من الخارج، بل بثوابت وضعتها الجماعة لنفسها، وبميثاق أخلاقي وفكري تربوي تُحاكم به قراراتها، وتزن به البراغماتية بميزان الشرعية الدعوية، وتفرّق به بين ما يخدم المشروع وما ينسفه من داخله.
وفي هذا السياق، يبقى التنوع داخل الجماعة قوة لا تهديدا، اختلاف اجتهادات لا اختلاف وجهات، وأي مشروع حضاري يحتاج تعدد العقول لا توحّدها قسريا. التنوع يعمّق الرؤية.. والتشرذم يقتلها. ومن هنا فإن توحيد الصف ليس توحيد رأي، بل توحيد بوصلة.
محطات بين المشروع والتوظيف في تاريخ الإخوان المسلمين
أولا: حرب 1948.. المشروع في أنقى صوره
في حرب 48 يظهر الإخوان في واحدة من أكثر لحظات التاريخ وضوحا من حيث تطابق الفعل مع جوهر المشروع. الجماعة هنا لم تذهب إلى فلسطين بقرار من قصرٍ أو قيادة جيش، بل بوصفها حركة ترى أن تحرير الأرض المحتلة جزءٌ من تكليفها العقدي، وأن الجهاد هناك امتداد طبيعي لفكرتها عن شمولية الإسلام ووحدة الأمة.
قد يكون الجيش أو النظام الملكي قد استفاد من زخم مشاركة الإخوان، أو حاول توظيفها سياسيّا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكن طبيعة الفعل نفسه لا يمكن اختزالها في منطق “الاستخدام”. ما جرى هو تقاطُع مسارات لا تبعية: الدولة تخوض حربا تحتاج فيها إلى كل طاقة، والجماعة تتحرك من قلب مشروعها لا من قلب تعليمات الدولة.
هنا نحن أمام نموذج لإعادة تموضع واعٍ حول “القضية” لا حول “النظام”: هو تغاضٍ عن الخلافات السياسية في لحظة معركة مصيرية، لا تنازل عن جوهر المشروع.
ثانيا: عهد السادات.. هامش انفتاح أم وظيفة ضد اليسار؟
مع السادات خرجت الجماعة من السجون تدريجيّا، وعادت للحضور في المجتمع والجامعة والمسجد والنقابة.
السردية الشائعة تقول: السادات استخدم الإخوان لضرب الناصريين واليسار. في هذه السردية شيء من الحقيقة، لكنها لا تروي القصة كاملة: السادات احتاج فعلا إلى كبح التيار اليساري وإعادة تشكيل الخريطة الأيديولوجية لصالحه. وفي اللحظة نفسها رأت الجماعة في هامش الانفتاح فرصة لاستعادة الدعوة وبناء تنظيم ميداني جديد، وترميم ما حطّمه القمع في عهد عبد الناصر.
إذن نحن أمام مشهد مزدوج؛ من زاوية النظام: هامش ديني-دعوي يُخفف الضغط السياسي ويخلق توازنا مع القوى القديمة. ومن زاوية الجماعة: نافذة لاستعادة النفس، وتربية أجيال جديدة، وإعادة وصل المجتمع بالفكرة.
وكان الاختبار الأكثر صعوبة هو محاولة احتواء السادات الإخوان لوقف إعلان رفضهم لمعاهدة كامب ديفيد، فكان رفض التلمساني واضحا: لم يكن فقط موقفا سياسيا بل موقفا دينيا، وعادت حملة الاعتقالات مرة أخرى.
ثالثا: عهد مبارك.. المعارضة المُدارة وحدود لعبة التوظيف
في عهد مبارك اتّسع هامش الحركة نسبيا: حضور قوي في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية، وشبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والخدمية، ثم مشاركة سياسية متدرجة انتهت إلى كتلة برلمانية مؤثرة في 2005.
عاد خطاب “الفزّاعة”:
النظام يلوِّح بالإخوان في وجه الداخل والخارج، ليقدّم نفسه باعتباره “الخيار الآمن” أمام الإسلاميين. وفي المقابل استثمرت الجماعة هذا الهامش في تثبيت حضورها الاجتماعي والفكري، وتقديم نفسها كتيار إصلاحي سلمي داخل النظام.
مرة أخرى نحن أمام علاقة مركّبة؛ السلطة تُدير هامش وجود الإخوان، والجماعة تحاول استثمار هذا الهامش لصالح مشروعها دون أن تتحول إلى جزءٍ عضوي من بنية النظام.
رابعا: ما بعد 2011.. المشروع يخرج إلى السطح دون أن يدخل مركز السلطة
الدولة العميقة ترى في صعود الإخوان تهديدا لبنيتها، وقوى إقليمية ترى فيهم خطرا على منطق الدولة الوظيفية والتحالفات القائمة، قوى دولية تتعامل معهم بتحفّظ أو تحييد مؤقت، لكنها لا تسمح بتحوّل جذري في خرائط النفوذ ثورة يناير فتحت أمام الإخوان مساحة غير مسبوقة؛ حضور علني، حزب سياسي، انتخابات، رئاسة.. لأول مرة يخرج المشروع إلى السطح بلا وساطة ويُختبر في التعامل مع الدولة، لا فقط مع المجتمع.
هنا تتبدّل قواعد اللعبة: الدولة العميقة ترى في صعود الإخوان تهديدا لبنيتها، وقوى إقليمية ترى فيهم خطرا على منطق الدولة الوظيفية والتحالفات القائمة، قوى دولية تتعامل معهم بتحفّظ أو تحييد مؤقت، لكنها لا تسمح بتحوّل جذري في خرائط النفوذ.
الانقلاب وما تلاه أعادا إنتاج الإخوان في الخطاب الرسمي والإقليمي، كـ”فزّاعة” و”خطر إرهابي”، وأُعيد فتح ملف “تصنيفهم” دوليّا في محاولة لإغلاق نافذة المشروع وإرجاعهم -في الوعي العام- إلى خانة “المشكلة الأمنية” لا “السؤال الحضاري”.
سؤال المستقبل: مشروع أم وظيفة؟
في الختام، تبقى هذه المرحلة أهم محطة لاختبار سؤال حادّ: هل ما زال بالإمكان إعادة التموضع من جديد بوصف الإخوان حركة مشروع تتعلم من التجربة وتعيد قراءة خرائط القوة؟ أم أن الضغوط الهائلة ومحاولات الإذابة والتشويه تدفعهم -شاؤوا أم أبوا- إلى زاوية يُراد لهم فيها أن يكونوا مجرّد موضوع توظيف في صراعات الإقليم والدول الوظيفية؟
هذا السؤال لا يكفي أن يُطرَح في دوائر التحليل أو على مستوى القيادة، بل يجب أن يُوجَّه أولا إلى الصف قبل القمّة إلى الجيل الذي يحمل الفكرة اليوم ويدفع ثمنها.
هل يدرك الصف أهمية استقلالية القرار داخل الجماعة؟ هل يدرك أن التمسّك بثوابت الجماعة ليس مجرد شعارات عاطفية، بل هو خط الدفاع الأخير عن روح المشروع في مواجهة ضغوط التوظيف؟ وهل يدرك قبل ذلك وبعده أن قوة الجماعة الحقيقية ليست في قدرتها على الانفعال وقت الرخاء، بل في قدرتها على ضبط ردود الفعل وصناعة القرارات الرشيدة في أوقات الشدة والابتلاء؟
هناك -في تلك اللحظات الفاصلة- يُحسَم الفارق؛ بين حركة تحافظ على نفسها كمشروع نهضوي.. وحركة تنزلق -بالتدريج ودون أن تشعر- إلى خانة الدور الوظيفي الذي يكتبه الآخرون.







