
تُعدّ رواية «الصالحة» (قصة الراهبة الألمانية كريستين هاين) للوزير التونسي الأسبق الدكتور خالد شوكات، الصادرة عن دار أركاديا في تونس عام 2023، عملاً أدبيًا لافتًا، لا يستطيع القارئ أن يحسم منذ صفحاته الأولى إن كان أمام رواية متخيلة أم قصة حب حقيقية ذات أبعاد أسطورية وروحية. فهي تحكي لقاءً فريدًا جمع بين راهبة ألمانية ووليّ من أولياء الجزائر، في سياق إنساني وروحي عابر للثقافات والحدود.
الدكتور خالد شوكات إعلامي وناشط في المؤتمر القومي العربي والقومي الإسلامي ومنتدى التكامل الإقليمي ومؤسسة القدس، وتولى مسؤوليات عديدة في تونس، ولا سيما بعد الثورة الشعبية عام 2010. وتنعكس هذه الخلفية الفكرية والسياسية والثقافية بوضوح في روايته، التي تمزج بين المعرفة والتاريخ والروحانية.
في هذه الرواية الجميلة، يلتقي الحب بـالعرفان، ويجاور الأدب التاريخ والجغرافيا. تروي القصة سيرة راهبة ألمانية تركت قريتها في بافاريا هربًا من عنف زوج أمها، وانتقلت من دير ألماني إلى روما، ثم إلى بيروت والقاهرة والقدس، قبل أن تصل إلى تونس حيث كانت تعمل في التمريض بأحد مستوصفات شمال البلاد. هناك تلتقي بحبيبها القادم من الجزائر.
هذا الحبيب هو الخضر، أحد الأولياء الصالحين، أصله من جنوب الجزائر. انتقل إلى تونس للدراسة في جامعة الزيتونة، ثم تنقل بين تونس وليبيا ومصر وفلسطين والقدس، وصولًا إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. يعود لاحقًا إلى تونس حيث يتعرض لاعتداء من أحد المتطرفين، فيُنقل إلى مستوصف تابع لإحدى الإرساليات في شمال تونس، وهناك يتم اللقاء الفاصل بينه وبين الراهبة الألمانية كريستين.
تمر كريستين بمسيرة طويلة من المعرفة والحب والعمل وخدمة الفقراء، تنتهي باعتناقها الإسلام عن قناعة روحية عميقة، لا عن صدمة عاطفية عابرة. وهنا تتجلى الرواية بوصفها شهادة أدبية على التحول الإنساني الصادق.
تأخذنا الرواية في جولة واسعة عبر بلاد المغرب العربي وتاريخها، وتعرّفنا إلى مقامات الأولياء في مصر وليبيا وتونس ولبنان وسوريا، كما تفتح نافذة على الدين المسيحي، ودور الفاتيكان والبطريركية المارونية، وتجربة الرهبان المسيحيين. ويستحضر المؤلف التجربة الألمانية في التعريف بالإسلام من خلال كتاب الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته: «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي»، مستعينًا بعدد من نصوصه داخل المتن السردي.
ورغم غرابة الفكرة، ينجح شوكات في تقديم رواية متماسكة، إنسانية وعميقة، عن لقاء نادر بين راهبة ألمانية ووليّ جزائري مقيم في تونس، في الريف التونسي الجميل، حيث يصبح المكان شريكًا في تشكيل المعنى.
تتضمن الرواية حكايات عن الحب والعرفان والعطاء والتضحية، وعن الأسفار وتاريخ تلك البلاد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتُختتم بحكاية حفيد العائلة، المهندس عبد الكريم حسين الخضر، الذي يتعلم أصول الطباعة في ألمانيا، ثم ينتقل للعمل في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة.
إنها رواية جميلة وعميقة، تحكي عن الحوار الإسلامي–المسيحي الحقيقي، وعن الإيمان الصادق، وعن خدمة الفقراء والعمل في سبيل الله، بعيدًا عن المفاهيم المغلوطة والتطرف والكراهية. رواية تؤكد أن الحب والمعرفة يمكن أن يكونا جسرًا إنسانيًا بين الأديان والثقافات.







