
بعد كلِّ لقاءٍ دبلوماسيٍّ أو سياسيٍّ أو صحفي في رحلاتي الخارجية،احرص ان أترك للوقتِ المتبقّي لأمضي إلى متاحف المدينة التي أزورها؛ أفتّش هناك عن آثارٍ مصريةٍ انتُزعت من ترابها، كما يُنتزع القلب من صدره.
أقف أمامها طويلًا، تتنازعني رعشةُ الإهانة واعتزازُ الانتماء عندما أرى عيون الزوّار مبهورةً بعظمة حضارتنا، فأبتسمُ فخرًا… ويخزني السؤال: لماذا تقف آثارنا بعيدًا عن سماء موطنها؟

في زيارتي الأخيرة إلى لندن، بدعوةٍ كريمةٍ من مجلس العموم البريطاني، وبعد أن انفضّت اللقاءات الرسمية، شددت الرحال إلى المتحف البريطاني وقفت أمام حجر رشيد—لوحة رشيد—أقرأ في صمته تاريخًا مسروقًا، وأرى آثارًا مصريةً مصطفّةً بين حضاراتٍ شتّى، كما لو أنّ التاريخ فقد بوصلته. لم يكن المشهد جديدًا عليّ، فقد رأيته سابقًا في متحف اللوفر بباريس، غير أن الإحساس في كل مرةٍ يتجدّد، كجرحٍ يعرف اسمي.
أمّا في زيارتي الأخيرة إلى فرنسا—التي انتهت منذ ساعات، قبل دخول شهر رمضانالكريم ،فلم تكن عابرةً ولا بروتوكولية كما كانت في بريطانيا بل كانت امتحانًا جديدًا لذاكرةٍ لا تنسى، ولسياسةٍ تحاول أن تُخفي ما يفضحه الرمز.
في اثنتين وسبعين ساعةٍ مكثّفة، تنقّلت بين لقاءاتٍ سياسيةٍ وصحفية، حواراتٍ مرّت كوميضٍ سريع، لكنها تركت أثرها في دفاتري واهتماماتي بالشأن المصري والسوداني خصوصًا، وبالشأن العربي عمومًا. أجريت لقاءات مع “Africa Intelligence” ومع يومية “l’Opinion” ومع موقع “Monde Afrique”، حيث تلاقى السؤال الأوروبي القلق مع الإجابة المصرية التي تعرف وزن الكلمات.

بدت باريس في تلك الأيام تخفي سياسيًا أكثر مما تُظهر؛ أجواءٌ مشوبةٌ بتوتّرٍ خفيّ، وخطابٌ أوروبيٌّ مرتبك، ورغبةٌ في إعادة ترتيب الأوراق داخل أوروبا وعلى تخومها المتوسطية والشرق أوسطية، بعد أصداء مؤتمر كوبنهاجن الأخير. كان الصمت أحيانًا أبلغ من التصريح، وكانت الابتسامات أعمق من أن تُفسَّر ببراءة.
بعيدًا عن دهاليز السياسة، حملت لي الرحلة خبرًا وحيدًا يستحقُّ الفرح. خبرًا طال انتظاره، بعد أن ظلّ لسنواتٍ يثقل صدري كلما مررت به.
تمثال جان فرانسوا شامبليون… ذاك الذي يقف بقدمٍ و بحذاءٍ فوق رأسٍ مصريةٍ فرعونية. مشهدٍ باردٍ قاسٍ، رأى فيه كثيرون—وأنا منهم—إهانةً لا تخطئها العين. كيف يمكن لبلدٍ يعشق حضارة مصر القديمة مثل فرنسا ،أن يسمح بصورةٍ كهذه أن تبقى قرنًا ونصف قرن في ساحته ؟
لم يكن التمثال في اللوفر كما شاع، بل في فناء مؤسسةٍ أكاديميةٍ مرموقة في قلب الحي اللاتيني: كوليجدو فرانس.
هناك، منذ أواخر القرن التاسع عشر، ظلّ الرمز قائمًا، والجرح مفتوحًا.
تعود الحكاية إلى ان النحّات “فريدريك أوجست بارتولدي”
وُلدت الفكرة في ذهنه ، عام ألفٍ وثمانمائةٍ وخمسةٍ وستين، ثم قُدّم نموذجٌ جبسي عام ألفٍ وثمانمائةٍ وسبعةٍ وستين، قبل أن تُنجز النسخة الرخامية وتُعرض في صالون عام ألفٍ وثمانمائةٍ وخمسةٍ وسبعين، ثم تُدشَّن في كوليج دو فرانس عام ألفٍ وثمانمائةٍ وثمانيةٍ وسبعين.
قيل دفاعًا عن “نية الفنان” إن المشهد مستلهمٌ من أسطورة أوديب وأبي الهول، وإنه تصويرٌ للحظة تأمّلٍ أمام حضارةٍ منقضية. لكن المعنى لا يُختزل في النوايا؛ المعنى يسكن الصورة حين تُعلّق في الفضاء العام، ويتشكّل في وجدان من يراها، لا في عقل من نحَتها.
اشتعل الجدل على مراحل، وارتفعت أصواتٌ مصريةٌ في فرنسا تطالب بإزالة الرمز الجارح. لم تكن ضوضاءً عابرة، بل احتجاجًا حضاريًا راقيًا، يقوده محبّو مصر لا هواة الصخب.
حملت الحملة أسماءً تستحقُّ الذكر: هشام جاد، وقرينته البريطانية التي وُصفت بسفيرة الحضارة، ومعهم وسيم السيسي، إيمان خضري، هدى زكريا، إقبال بركة، هاني شنودة، منى جمال الدين، بهي الدين مرسي… وغيرهم ممن اشتغلوا بصمتٍ نبيل، دفاعًا عن صورةٍ لا يجوز أن تُهان.
جاء الإعلان في فبراير ألفين وستةٍ وعشرين: إزالة التمثال من ساحة كوليج دو فرانس. قيل إن السبب صيانةٌ وترميم، وإن النسخة الأصلية ستُنقل إلى مكانٍ مغطّى ومحميّ، على أن تُستبدل بنسخةٍ راتنجية في الساحة.
ستستقر النسخة الأصلية—وفق ما نُشر رسميًا—في متحف كاميل كلوديل بمدينة نوجان سور سين، في إطار أعمال الحفظ. غير أن القصة، بالنسبة للمصريين، أكبر من بيانٍ إداري؛ هي استعادةُ معنًى، لا مجرّد نقل حجر.
ليس الانتصار في إزالة تمثالٍ فحسب، بل في تثبيت فكرة: أن مصر ليست أثرًا في خزائن الآخرين، ولا صورةً تُختزل تحت قدمٍ عابرة. مصر حضارةٌ حيّة، لا تقبل أن تُقرأ بإهانة، ولا أن تُؤوَّل على حساب كرامتها.
ما حدث يثبت أن المصريين، مهما تباعدت بهم العواصم، يلتقون عند خطٍّ واحد: الكرامة. الانتماء ليس ختمًا في جواز سفر، بل نبضٌ لا يهدأ، وذاكرةٌ لا تُصادرها المسافات.
بقيت مسؤوليةٌ أكبر: أن نبني خطابًا ثقافيًا مصريًا حاضرًا في أوروبا، يحاور الجامعات والمتاحف، ويفصل بين احترام العِلم ورفض الرمز الجارح، بين تقدير الباحث ورفض الصورة التي تضع الحذاء فوق الرأس.
انتهت الزيارة، وبقي المعنى: تمثالٌ أُزيح، وجُرحٌ التأم بعضه، ورسالةٌ وصلت بوضوحٍ لا لبس فيه—كرامة مصر ليست قابلةً للتأويل، بل حدٌّ أدنى من الاحترام.
ومن يدافع عن كرامة وطنه في الخارج لا يقبل -لزوما- أن تنتهك كرامه وحرية مواطنيه في الداخل.







