
ذلك الرجل لم يكن عاديًا، وتلك اللحظة لم تكن عابرة.
عام 1832 لم يسقط اسم، بل سقط زمن.
ولم تُفتح عكّا فقط، بل فُتحت معها شهية الإمبراطورية، وسقطت آخر الأوهام عن حدود القوة وحدود التجرؤ.
حين لفّ عبدالله باشا المنديل حول عنقه، لم يكن يستعد للاستسلام وحده، بل كان يستعد لمغادرة المشهد.
ركوعه لم يكتمل.
إبراهيم باشا رفعه سريعًا، لا شفقة، بل فهمًا لمعنى الغلبة.
قال له ما معناه: لستَ مخطئًا لأنك قاتلتني، نحن أبناء سيف واحد، لكنك أخطأت حين ظننت أنك تستطيع الاقتراب من محمد علي.
ستة أشهر كاملة، والمدينة محاصَرة.
ستة أشهر من الجوع والانتظار والغرور.
عبدالله باشا كان يراهن على الأسوار، وعلى تاريخٍ قال له إن عكّا لا تُكسر.
قال بثقة من لم يختبر لحظة السقوط: إذا عجز نابليون بونابرت، فكيف يقدر محمد علي؟
لم يدرك أن محمد علي لم يكن يقلّد أحدًا، بل كان يكتب نسخته الخاصة من الحكم.
لم تكن عكّا هي الهدف وحدها.
الشام كانت الامتداد الطبيعي لحلم أكبر.
طرق تجارة تُهرّب، جمارك تُكسر، وفلاحون مصريون يعبرون الحدود هربًا من الضرائب والسخرة والتجنيد.
ستة آلاف فلاح خرجوا من الشرقية، بحثًا عن هواءٍ أقل قسوة.
محمد علي لم يرَ في ذلك هجرة، بل كسرًا لهيبة الدولة.
طالب بإعادتهم.
جاءه الرد باردًا، متعاليًا: الأرض مفتوحة، والرعايا أحرار.
تلك الجملة وحدها كانت إعلان حرب.
قال محمد علي ما معناه: سأعيدهم جميعًا… ومعهم من آواهم.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الخلاف إداريًا.
صار صراع سيادة.
السلطان أعلن الحرب.
اللعنات صُبّت.
الفتاوى أُطلقت.
أُبيحت الدماء، وكُفّرت القاهرة.
لكن المدافع لا ترتجف أمام الفتاوى، والجيوش لا تنسحب بسبب خطب.
فجر يومٍ طويل، ومع أول شمس، صدر الأمر بالهجوم.
القتال استمر حتى المساء.
وحين غربت الشمس، كانت عكّا قد سقطت.
الجيش المصري دفع ثمنًا فادحًا، لكن المدينة فُتحت، والرسالة وصلت:
الوالي الذي خرج من عباءة السلطان، صار أقوى من العباءة نفسها.
داخل المدينة، لم يكن الانهيار عسكريًا فقط.
السكان أنفسهم ضغطوا على عبدالله باشا ليسلّم.
الهزائم الكبرى تبدأ حين ينهار الإيمان قبل الأسوار.
ليلًا، جلس المنتصر والمهزوم في خيمة خارج المدينة.
حديث رجال يعرفون أن اللعبة انتهت.
قال إبراهيم له: ستنام الليلة هادئًا.
ردّ عليه عبدالله بمرارة من اكتشف الحقيقة متأخرًا: لا تكلّمني كضعيف… خطئي أني وثقت بمن لا شرف له، ولو عرفت ما أعرفه الآن، ما كنت بين يديك.
لم يُهَن عبدالله.
أُرسل مع نسائه وأهله إلى الإسكندرية.
وقف لاحقًا بين يدي محمد علي، قبّل طرف ثوبه، وقال جملة تُغلق كل شيء:
ليكن عفوك عفو ملك… لا عفو وزير.
ذهب إلى الحجاز.
ومات هناك.
وبقي السؤال.
هل كان محمد علي آخر الفراعنة؟
ربما لم يحمل التاج، ولم يُنقش اسمه على المعابد،
لكنه حكم بعقل فرعون،
وبطموح إمبراطور،
وبلا أوهام عن حدود القوة.
الاسم لا يهم.
ما يهم أن الرجل الذي أُلقي غيره في البحر،
بقي هو…
وجهًا لا يغيب.







