ثقافة وفنونمصرملفات وتقارير

اعتقل عام 1966 بتهمة انتماؤه لـ «الإخوان».. محطات هاني شنودة وحبه لرسول الله

رحل الموسيقار الكبير هاني شنودة عن عالمنا صباح يوم الاثنين الموافق العشرين من يوليو الجاري، عن عمر ناهز الثلاثة والثمانين عامًا، بعد رحلة طويلة مع المرض انتهت بدخوله في غيبوبة وتوقفه عن الطعام والشراب والكلام قبل وفاته. وأعلن مدير أعماله سامح عبد الحميد الخبر للصحافة، مؤكدًا أن الموسيقار الراحل فارق الحياة في أحد مستشفيات القاهرة إثر أزمة صحية طارئة، بعدما كانت حالته قد شهدت تدهورًا ملحوظًا خلال الأسابيع الأخيرة استدعت نقله إلى العناية المركزة.

رحيل هاني شنودة.. مسيرة فنان آمن بأن الموسيقى رسالة محبة للجميع

وُلد هاني شنودة في مدينة طنطا عام 1943، وتخرج في كلية التربية الموسيقية عام 1966، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للموسيقى “الكونسرفتوار”. ويُعد الراحل أحد أبرز رواد الموسيقى الحديثة في مصر والعالم العربي، إذ كانت له الريادة والفضل في تأسيس أول فرقة موسيقية مصرية، فضلًا عن دوره في اكتشاف ودعم عدد كبير من المواهب الغنائية والموسيقية على مدار مسيرته. كما لحّن ووزّع للعديد من كبار المطربين، ووضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام المصرية الشهيرة. وكان آخر أعماله قبل رحيله إعادة توزيع أغنية “بحلم معاك” التي قدمتها الفنانة نجاة الصغيرة من ألحانه، بصوت مطرب الراب زياد ظاظا والمطربة الصاعدة تينا، في محاولة لإحياء التراث الغنائي الكلاسيكي بصورة تناسب الذوق العصري.

اعتقاله في شبابه بسبب خلاف داخل الكلية

روى هاني شنودة في وقت سابق، خلال حديث إذاعي، واقعة اعتقاله عام 1966 وهو طالب في كلية التربية الموسيقية، موضحًا أن القصة لم تكن لها أي علاقة بالدين رغم تشابه الظروف مع أحداث لاحقة، إذ لم يكن اسم البابا شنودة معروفًا وقتها أصلًا كلقب ديني. وأوضح أن الأزمة بدأت حين كانت الطالبات يتلقين تدريبات على آلات معينة بطريقة مختلفة عن الطلاب، ما أدى إلى اعتصام داخل الكلية في انتظار مسؤول من وزارة التعليم العالي، وهو ما تزامن مع إضراب طلابي في جامعة الأزهر شمل معه طلاب كلية التربية الموسيقية. وذكر أنه غادر الكلية يوم الاعتصام دون أن يشارك فيه، لكن ضابطًا ومرافقين له فوجئوا بوجوده في شقته صباح اليوم التالي واقتادوه معهم دون أن يوضحوا له السبب.

وأضاف أنه ظل محتجزًا لمدة يومين أو ثلاثة أيام قبل أن يُعرض على ضابط تحقيق، مشيرًا إلى أن كل متعلقاته الشخصية جُردت منه فور دخوله، حتى رباط حذائه، ووُضعت في ظرف يحمل رقمًا بدلًا من اسمه، وكان رقمه وقتها 35.

وحين سأله الضابط عن سبب وجوده، حاول أن يشرح له تفاصيل خلاف الآلات الموسيقية بين الطلاب والطالبات، فما كان من الضابط إلا أن وجّه له إهانة لفظية وضربة على قفاه لم يشعر بألمها إلا بعد يوم كامل. وتابع أن الضابط سأله بعدها بشكل ساخر عما إذا كان مستعدًا للتنازل عن “تفسيراته المشبوهة للقرآن”، فأجابه بالإيجاب خشية أن يُنسب إلى تيارات أخرى لو أفصح عن حقيقة الموقف.

لحظة الشك في احتراف الموسيقى

تحدث هاني شنودة أيضًا عن أصعب لحظة مرّ بها في بداية مشواره الفني، حين اتفق مع فرقة موسيقية على العمل معها لينطلق في مسيرته الغنائية، لكن شخصًا حذّره في اليوم نفسه من العمل في الموسيقى معتبرًا إياها أمرًا محرّمًا، وأن مصيره سيكون “حرامًا في حرام” إن استمر فيها. ووصف الراحل تأثير هذه الكلمات عليه بأنها كانت قاسية جدًا وهزّت قلبه وأفسدت عليه فرحته بالعمل الجديد، حتى إنه سار في الشارع يبكي وهو يفكر في الأمر.

وأوضح أنه توجّه بالدعاء إلى الله طالبًا إشارة تحسم له الأمر: فإن كانت الموسيقى حرامًا فليبعده الله عنها، وإن كانت حلالًا فليمنحه دليلًا واضحًا. وفي اليوم التالي مباشرة، أثناء عمله مع الفرقة على المسرح، شهد مشهدًا وصفه بأنه غيّر قناعته تمامًا: رجل يحمل ابنته المصابة بشلل الأطفال ويصعد بها إلى المسرح لتستمتع بالموسيقى، وفجأة بدأت قدما الطفلة تتحركان وتتمايلان من الفرح، فبكى الأب من شدة سعادته وهو يرى ابنته تتفاعل بهذا الشكل. واعتبر شنودة أن هذا المشهد كان بمثابة الإشارة التي طلبها، وأن ما يُدخل السرور على قلوب الناس لا يمكن أن يكون حرامًا.

استشهاده بحديث نبوي عن الأقباط

في اللقاء نفسه، استشهد هاني شنودة بحديث نبوي شريف يوصي بأقباط مصر خيرًا لما بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم من صهر ونسب، معربًا عن عميق تقديره لمكانتهم في النسيج الوطني المصري، وقائلًا إنه لو مُنح مئات الأعمار فلن يفيهم حقهم من المحبة والتقدير، كما استشهد بحديث نبوي آخر عن إخفاء أعمال الخير، مؤكدًا أنه عاش حياته كلها ملتزمًا بهذا المبدأ في علاقته بربه، وختم حديثه بالقول إنه تعلّم من المسيحية حب الناس، ومن الإسلام السماحة، وإنه ينتظر لقاء ربه دون خوف من الموت، مرددًا أن الخوف من الموت لا يكون إلا عند من يرتكب أفعالًا سيئة.

وقد تداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا من هذا اللقاء الإذاعي عقب وفاته، وترافق تداوله مع تعليقات تعبّر عن الحزن والتأثر، من بينها منشور وصف الراحل بأنه من أطيب وأصدق الناس، وهو ما ترافق مع موجة من رسائل الرثاء والنعي التي عبر من خلالها محبوه عن حزنهم لفقدان رمز النقاء والطيبة، ومؤكدين أن إرثه الفني والإنساني سيظل راسخاً في وجدان الأجيال المتعاقبة كنموذج للتعايش والمحبة الخالصة.

نعي وتشييع

نعت نقابة المهن الموسيقية الراحل في بيان رسمي، واصفة إياه بأنه أحد أبرز رواد الموسيقى الحديثة في مصر والعالم العربي، وأن مسيرته تركت بصمة بارزة في التلحين والتوزيع الموسيقي، إلى جانب دوره في اكتشاف ودعم المواهب. كما نعاه عدد من الإعلاميين والنقاد والفنانين، من بينهم الإعلامي محمود سعد الذي كتب معبرًا عن حزنه على رحيل فنان وصفه بالصدق والجمال، والناقد مصطفى حمدي الذي اعتبر أن مصر والعالم فقدا أحد أبرز رموز الموسيقى والثقافة. وشُيّع جثمان الراحل من كنيسة السيدة العذراء بحي المعادي، وسط حضور عدد من نجوم الفن والثقافة الذين قدّموا واجب العزاء لأسرته.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى