زي النهاردة.. ميلاد الدستور المصري بلمسات قاضي القضاة عبدالعزيز باشا فهمي

يحتفي أبناء الوطن في مثل هذا اليوم بذكرى صدور دستور ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين الذي وضع حجر الزاوية للحياة الديمقراطية الحديثة بفضل جهود المناضل ورجل القانون عبد العزيز باشا فهمي ، ويمثل عبد العزيز فهمي طرازاً فريداً من رجال الدولة الذين جمعوا بين سداد الرأي القانوني وبين التوجه الوطني المخلص الذي لا يلين أمام الصعاب ، وولد هذا القطب الكبير في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر لعام ألف وثمانمائة وسبعين بقرية كفر المصيلحة بمحافظة المنوفية لأسرة كريمة ورثت الوجاهة والعمل الاجتماعي ، واستطاع عبد العزيز فهمي أن يشق طريقه نحو المجد المعرفي عبر رحلة تعليمية بدأت بحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية ومرت بأروقة الجامع الأزهر الشريف وانتهت بالحصول على شهادة الحقوق عام ألف وثمانمائة وتسعين ميلادية ، وتعتبر مسيرة هذا الرجل سجلاً حافلاً بالخدمة العامة حيث شغل مناصب رفيعة في القضاء والبرلمان والمحاماة وصولاً إلى رئاسة حزب الأحرار الدستوريين ليصبح أحد أهم صانعي القرار في حقبة مفصلية من عمر البلاد.
النضال من أجل الاستقلال وصياغة المسودة الأولى للدستور المصري
ساهم عبد العزيز باشا فهمي بفاعلية في حركة الكفاح الوطني عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى حيث كان أحد الأعمدة الثلاثة للوفد المصري بجانب الزعيم سعد زغلول ومحمد شعراوي ، وانطلق عبد العزيز فهمي بمهمة وطنية مقدسة للمطالبة بحق البلاد في الحرية والاستقلال من الاستعمار الأجنبي في محافل السياسة الدولية ، وتجلت عبقريته القانونية حين عهد إليه الوفد بصياغة مشروع أول دستور للبلاد أثناء وجوده في العاصمة الفرنسية باريس عام ألف وتسعمائة وعشرين ميلادية ، وعكف فهمي على دراسة أحدث الدساتير الأوروبية ليخرج بنص قانوني رفيع المستوى يتناسب مع طموحات الشعب في الحكم الذاتي وتحديد صلاحيات السلطات ، ورغم حدوث بعض الخلافات في وجهات النظر مع الزعيم سعد زغلول حول بعض المواد إلا أن هذا المشروع ظل النواة الحقيقية التي استندت إليها اللجنة الرسمية لاحقاً لوضع الدستور الدائم عقب تصريح ثمانية وعشرين فبراير التاريخي.
الإبداع القضائي والمصطلحات القانونية في مدرسة عبد العزيز فهمي
ترك عبد العزيز باشا فهمي بصمات خالدة في صرح القضاء المصري لا تزال محفورة في وجدان المشتغلين بالقانون حتى يومنا هذا بفضل رؤيته اللغوية والفقهية الثاقبة ، واستلهم عبد العزيز فهمي اسم “محكمة النقض” من آيات القرآن الكريم للدلالة على قوة ونقض الأحكام القضائية كما استحدث نظريات جنائية هامة مثل “القدر المتيقن” ، وشغل منصب وزير الحقانية في حكومة أحمد زيور باشا حيث عمل على تطوير المنظومة العدلية وترسيخ قيم النزاهة والشفافية في كافة المعاملات القانونية الرسمية ، وحظي قاضي القضاة بتقدير رسمي واسع النطاق ونال الوشاح الأكبر من نيشان محمد علي ورتبة الامتياز من الدرجة الأولى تقديراً لخدماته الجليلة ، وانتهت رحلة هذا العملاق في مارس من عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين ميلادية مخلفاً وراءه إرثاً قانونياً وأدبياً شهد له كبار المفكرين مثل طه حسين وعبد الرزاق السنهوري ، ويظل اسمه مخلداً على شوارع ومؤسسات تعليمية كبرى تعبيراً عن الامتنان الشعبي لواحد من أعظم رجالات الحق والعدل في التاريخ الحديث.







