
من الطبيعي أن تكون اللغة في عالم الدبلوماسية أداة دقيقة، محسوبة في مفرداتها، وهادئة في نبرتها. فالكلمة الصادرة عن وزير خارجية لا تمثل شخصه وحده، بل تعكس صورة الدولة بأكملها.
غير أن التسريب الأخير لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بحضور السفير عماد حنا في هولندا، كشف وجها آخر مغايرًا تمامًا: وجه الغلظة والفجاجة واللغة السوقية.
أولًا: مضمون التسريب
في التسجيل المسرّب، يوجه الوزير تعليمات حادة بالتعامل مع المتظاهرين أمام البعثات المصرية في الخارج، حتى لو وصل الأمر إلى تسليمهم للشرطة.
كما لوّح بما سماه “المعاملة بالمثل” تجاه السفارات الأجنبية في القاهرة، في حال عدم حماية الدول المضيفة للسفارات المصرية.
مضمون كهذا يعكس عقلية أمنية بوليسية، لا سياسية ولا دبلوماسية.
ثانيًا: اللغة والأسلوب
المثير للانتباه لم يكن المضمون فحسب، بل اللهجة التي استخدمها الوزير.
فبدلًا من لغة دبلوماسية رصينة، انحدر إلى خطاب أقرب إلى لغة الشارع، مليء بالتعالي والتهديد.
إن هذه اللهجة المتدنية لا تسيء إلى شخص الوزير وحده، بل إلى صورة مصر الرسمية أمام العالم.
ثالثًا: الدلالات السياسية
هذا التسريب يوضح أن النظام المصري يتعامل مع معارضيه في الخارج بنفس ذهنية القمع في الداخل.
لم يأتِ على ذكر الحوار أو الإقناع أو تحسين الصورة، بل اقتصر على التلويح بالقوة والانتقام.
وهو ما يكشف سقوط القناع عن ما تبقى من هيبة الخطاب الدبلوماسي.
خاتمة
لقد عرّى بدر عبد العاطي نفسه ونظامه بكلماته.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل انعكاس لثقافة من يستخدمها.
وإذا كان وزير الخارجية يتحدث بهذه اللهجة السوقية، فلا عجب أن تنهار صورة مصر في الخارج كما انهارت حقوق الناس في الداخل.