د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب … السيد البدوي. حين تمشي السياسة على مهلٍ… ولا تفقد إنسانيتها

هناك أسماءٍ صنعت المعنى قبل تصنع المكانه،
لا يأتي الامتداد التاريخي صدفة. فبعض الرجال لا يُذكرون لأنهم فقط تصدّروا المشهد،
بل لأنهم حافظوا على توازنه حين اختلّ، وعلى هدوئه حين علا الضجيج.
ففي لحظةٍ تتبدّل فيها اللغة السياسية، وتتحول فيها المفردات، الي ارقام وحسابات ، وتحويلات وتمويل اشتراكات
يظهر من يذكّرك بأن السياسة يمكن أن تكون أقل صخبًا وأكثر إنسانية واخلاقيه.
غليون سيجار الباشا ،ليس سببا كافيا، للانتماء لهذه المدرسة
مدرسة فؤاد باشا ، لم تكن محض دخان في هواء غرفة، بل أخلاقًا وقيما تملأ المكان.
رجالًا يعرفون قيمة الصمت بقدر ما يعرفون خطورة الكلمة والوعد.
من هذه المدرسة خرجت أسماء لم تتعامل مع السياسة بوصفها ساحة غلبة و سوق مال، بل مساحة مسؤولية. والدكتور السيد البدوي واحد من أبناء هذا المسار، لا بالوراثة، بل بالاختيار.
في زمنٍ تُقاس فيه السياسة بحدة المواقف،الناقده المنافسين،
يظلّ هناك من يصرّ على قياسها بقربها من الناس الحقيقيين.
لا يتقدّم الصفوف ليُقدم نفسه للسلطة، ولا يتأخر ليُحسب عليه الغياب.
يمشي بينهم، يسمع أكثر مما يتكلم، ويعرف أن الثقة لا تُنتزع بالمال، ولا تسطنع بزيارة مكاتب المسؤولين بل تُبنى ببطء السنوات وتراكم الخبرات.
هذه السطور، ليست عن موقع، ولا عن لحظة عابرة،
بل عن طبعٍ إنساني بقي حاضرًا وسط تقلّبات السياسة.
عن رجلٍ لم يُخاصم المجتمع باسم الحداثة، ولم يُخاصم الدولة باسم التدين،
بل حاول أن يُمسك بالخيط الرفيع الذي يحفظ التوازن دون أن ينقطع.
عرفتُ السيد البدوي منذ ان كانت سكرتير عام الوفد في الغربيه وكنت في ذات الوقت سكرتير عامل وفد في القاهره
عرفت هذا الرجل الودود الخلوق المهذب بلا إفتعال،
قبل أن أعرف عناوين الصراع التي أحاطت باسمه لاحقًا.
عرفته ودودًا بطبعه، عذبًا في فطرته، قريبًا من الناس بلا ادّعاء، حاضرًا بينهم دون حواجز.
يكبرني ببضع سنوات، لكنه من جيلي؛
جيلٍ تشكّل على قيم ليبرالية متصالحة مع المجتمع والدين،
ومنحازة بالفطرة للأكثر فقرًا والأقرب وجعًا.
في مدرسة الوفد التاريخية، لا تُقاس الرجولة بعدد الخطب،
بل بقدرة صاحبها على الإنصات.
والسيد البدوي من هؤلاء الذين يُجيدون الإصغاء أكثر مما يُجيدون ضجيج شراء الأصوات.
يعرف أن السياسة حين ترفع صوتها كثيرًا، تفقد معناها، وحين تخفضه لتسمع، تكسب قلوب الصادقين.
لم يكن دخوله الحياة العامة قفزةً على سلّم السلطة،
بل مسارًا تراكميًا، عرف فيه التنظيم والعمل العام وإدارة الخلاف دون كسره.
تعلّم من مدرسة فؤاد سراج الدين أن الوفد ليس حزبًا فقط، بل ذاكرة وطن،
وأن من يتحمّل مسؤوليته لا بد أن يحمل عبئه الأخلاقي قبل أن يحمل اسمه.
لم يرَ في الليبرالية خصومة مع الدين، ولا في التدين خصومة مع الدولة المدنية.
كان يؤمن—ولا يزال—بأن المجتمع المصري لا يُدار بالاستقطاب، بل بالتوازن؛
توازن يحفظ للناس إيمانهم، ويصون للدولة قانونها،
ويمنح الفقراء انحيازًا حقيقيًا لا شعارًا.
في لحظات الشدة داخل الوفد، كان حضوره مهدّئًا لا مؤجِّجًا.
لا يتغذّى على الخلاف، ولا يصنع لنفسه مجدًا من انقسام الآخرين. كما فعل بعض السابقين.
يعرف أن الأحزاب تموت حين تتحوّل إلى ساحات تصفية،
وتعيش حين تبقى بيوتًا للاختلاف المحترم.
وحين ابتعدت السياسة عن الوفديين، لم يبتعد هو عنهم.
ظلّ قريبًا من القاعدة، حاضرًا في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الثقة.
لا يهوى الكاميرات، ولا يتقن المناورات والمؤامرات ، لكنه يتقن ما هو أصعب وهو:
أن يبقى إنسانًا، لحما ودما، وسط محيط من البلاستيك الملون.
لم يكن من الذين يبدّلون ملامحهم كلما تبدّل المشهد.
في زمنٍ أغرى كثيرين بالتخلّي عن أنفسهم، ظلّ متمسكًا بطبعه.
وربما كان هذا هو الامتحان الأصعب في السياسة: أن تبقى كما أنت،
لا كما يريدك المنصب.
السياسة، كما تعلّمناها في تلك المدرسة القديمة، ليست سباقًا ماليا، بل مسؤولية أخلاقية.
ليست صراعًا دائمًا، بل قدرة على إدارة التناقض دون كسره.
والسيد البدوي من القلّة التي فهمت هذا المعنى .
في حضوره، لا تجد خطابة زائدة، ولا حكمه مصطنعة.
تجد هدوءًا يُشبه الطمأنينة، ونبرة تعرف أن الكلمات الصادقة لا تحتاج إلى صوتٍ عالٍ.
وحين تشتدّ اللحظة، لا يختفي. وحين تهدأ، لا يدّعي البطولة.
يمشي بخطى ثابتة، يعرف أن السياسة التي تفقد إنسانيتها
تفقد سبب وجودها.
هذه ليست شهادة تزكية، ولا موقف لحظة،
بل قراءة في مسار رجلٍ حاول أن يحافظ على التوازن في زمنٍ اختلّت فيه الموازين،
وأن يبقى قريبًا من الناس دون أن يتاجر بقربه منهم.
وجوه لا تغيب…
لأن بعض الوجوه لا تُخلَّد بصخب المال،بل بالثبات.
ولا تُذكر لأنها صرخت،
بل لأنها( بقيت ) وفقا لرؤية
زميلنا احمد سميح ،
في فلسفة البقاء
حين يكون (البقاء)
غير ممكنا.







