مقالات وآراء

د.عمرو هاشم ربيع يكتب: المصريون على مشارف رمضان انفلات أسعار وسلطة تقف موقف المتفرج

بعد نحو اسبوعين نكون على بعد ساعات من بدء شهر رمضان المبارك. وكما ان رمضان عند عامة الناس شهر البركة والمحبة والتآلف، فهو عند ناس آخرين، خاصة عامة للتجار، وبالأخص تجار السلع والمواد التموينية، موسم لفساد الذمم والنهب والاحتيال على الناس، واستغلال احتياجاتهم للفرح بقدوم الشهر الكريم، وذلك كله في مواجهة الجميع، حتى أولئك الذين لم يعتادوا الإسراف، وعدم شراء غير الضرورات فحسب.

بذلك أصبح شهر رمضان موسم لإنفلات الأسعار المنفلتة أصلا من عقال السلطة، بشكل يبدو وكأن الأمر كالسوس الذي يمخر في عظام مريض هالك لا محالة من كثرة الضغوط المحيطة به، فإذا بشهر رمضان بدلا من ان يدخل على الناس السرور ومحبة الإيمان، تقوم السلطة بإدخال الغم والهم على عامة الناس من الطبقتين الدنيا والمتوسطة، ليس فقط بترك الناس للمستغلين، بل المشاركة أيضا في الإستغلال.

شعارات حكومية وهمية

أكاذيب وأباطيل الحكم بوجود أسعار في متناول اليد، ومعارض بعضها وهمي لخفض الأسعار ومحاربة الغلاء، كلها أمور باتت تشعل نار الحقد والغل الاجتماعي، الممكن تفسيره برؤية المحتاج لنهم الإستهلاك من قبل الطبقة العليا، التي باتت تنحسر شيئا فشيئا، عبر تكنيز الثروة في يد بضعة آلاف من الشعب.

بالتأكيد كانت دعوات المقاطعة وعدم الشراء لكل ما تجاوز الحد المعقول للأسعار، قد ذهبت أدراج الرياح، كونها تعبر عن حالة عدم الوعي، وغياب الرؤية القائمة على ان كل السلع أصبحت في حالة انفلات، دون تمييز بين واحدة وأخرى. ناهيك عن أن تلك المقاطعة المزعومة هي أبلغ دليل على الإقرار بضعف الرقابة على الأسواق.

المهم أن كل ما سبق من تداعيات يسير في إطار الحديث عن أن مصر تنتقل إلى القمة!، “فأحفادنا سيتحدثون عن الفترة الذهبية التي نمر بها” كما قال رئيس الوزراء البالغ الفشل مصطفى مدبولي، وكأن الناس يمكن أن تصدق مثل هذه التصريحات بالغة السطحية، كونها تتعمد تجهيل الناس بأمور يحسونها كل ساعة.

ضرائب تزيد من معدلات الفقر

الضرائب المفروضة على الناس يوميا تدوس بالأقدام الفقير قبل الغني، كونها تراكم همومه. زيادة رسوم المواصلات العامة، خاصة تذكرة مترو الأنفاق، الذي لا يستفيد منه إلا الطبقتين الدنيا والمتوسطة، وارتفاع اسعار الطاقة الناتج عن رفع الدعم، خاصة عن الغاز وكهرباء المنازل والبنزين والسولار، كل ذلك يجعل العامل والموظف خاصة العاملين منهم في دولاب قطاع الأعمال العام، وكذلك الفلاح الذي يعمل بيده، يحصد المزيد من الدنو من سلم الفقر والفقر الموقع وفق التعريف الدولي والمحلي على السواء لهذا السلم أو الخط، والذي تشير كل الدلائل إلى انه تجاوز ثلث عدد السكان وكذلك الأسر المعيلة.

أبرز ما يمكن أن يلاحظ عن ارتفاع نسب التضخم المتتالي، تظهر بالتأكيد في انخفاض قيمة العملة المحلية، وانخفاض الانتاج، وبقاء حال الصادرات التى لم تراوح في أقصى تفاؤلها عتبة ال٤٥ مليار دولار سنويا….الخ. كل ذلك يشير إلى مشكلة كبيرة يحصد خيبتها الفقراء.

غياب الأولويات والاهتمام باستعراض العضلات

فقه الأولويات واحد من أهم الأمور التي أدت إلى مجون الإسراف، بما يعني الإسراف دون وعي في نفقات لا حاجة لها. نفقات تمت بغرض استعراض العضلات، وكسب شرعية لرضاء شعبي زائل ووقتي. سفة الإنفاق بلا وعي أدى إلى استدانة مليارات الدولارات. مليارات الدولارات لتأسيس العاصمة الإدارية ومونوريل السخنة سيدي كرير ومدينة العلمين الجديدة حيث المقر الصيفي فاحش الثراء -لشعب جائع وفقير- كي تقيم فيه السلطة التنفيذية، حتى الوزراء حاملى الحقائب الأقل أهمية وغيرهم، لتغيب بشكل أكبر عن الوعي بأحوال الناس عامة، خاصة أولئك القاطنين في ريف الوجه القبلي حيث يضرب العوذ ملايين البشر بلا رحمة بسبب الغلاء وانعدام الخدمات التي تتركز على مناطق الظهور الإعلامي. كل ذلك اسفر عن تخفيض جبري لقيمة العملة، بأمر من صندوق النقد الدولي، الذي سلمت مصر رقبتها له، ولم تعي دروس الماضي، أو دروس وخبرات الدول التي اعتمدت عليه وأفقرها فقرا على فقرها، ولم تنظر إلى أحوال بلدان التنمية المستقلة التي رفضت أن يدخلها الصندوق. كل ما سبق هو من ساهم في ارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع اسعار السلع والخدمات، إلى الحد الذي تهكم الكثيرين على الوضع الكارثي الذي نعيشه، بأن اسعار السلع في الصباح تختلف عن أسعارها في مساء نفس اليوم، ناهيك عن تباين الأسعار من منطقة إلى منطقة، ليعبر ذلك كله عن قمة الإنفلات وغياب الرقابة على حد سواء.

حلول ضرورية وحتمية

ما من شك أن الإعلام الرسمي الذي يعد أحد أبرز أشكال بطانة السوء في البلاد، بسبب التطبيل للسلطة، يعد واحد من أهم الأمور التي لا تجعل السلطة تشعر بنكبة صنائعها، لذلك فإن الاهتمام بمصارحة الناس إعلاميا بالحالة السيئة التي نحن عليها، سيسهم في احترام الحكم لذاته ولشعبه، كي يبدأ الناس في التفكير في الخروج من أزمة الغلاء بعقل وذهن منفتح.

المؤكد أن هناك حلول طويل المدى، أبرزها وقف العمل كلية في العاصمة الإدارية والمنوريل والعلمين وما شابهها من مشروعات وهمية، بل لا عيب من إعلان ذلك على الملئ لكونه أنهك الموازنة المصرية وأفقر جيوب المصريين الخاوية أصلا.

ما من شك أن إقالة حكومة مصطفى مدبولي، وتعيين رئيس وزراء جديد ووزراء سياسيين لهم رؤية وليسوا فقط مجرد سكرتارية للرئيس ينفذون تعليماته بغض النظر عن عواقبها، يعد من الأمور المهمة للإقرار بفشل السياسات والحاجة إلى بديل.

على المديين المتوسط والقصير مهم بالتأكيد اتخاذ خطوات ضرورية لمواجهة جشع التجار. وأبرز تلك الخطوات الاهتمام بجهاز حماية المستهلك بصفته صاحب اليد العليا في مواجهة الاستغلال، وعودة الرقابة على الأسواق من خلال فرض التسعير الجبرى على عدة سلع يتصور أهميتها، كما فعلت الحكومة ذلك لبضعة أشهر بشأن أسعار الأرز والسكر.

يرتبط بكل ما سبق، العمل على استيراد السلع باهضة الثمن محليا، مما يساهم في تخفيض الأسعار جبرا، لكون ذلك أداة فعالة لكسر شوكة المستغلين وعودتهم لصوابهم، بأجبارهم على منع الاستغلال، وإلا سيتعرضون لخسائر كبيرة.

مهم كذلك العمل على تحسين قيمة العملة المحلية، باعتبارها أحد أهم أسباب ارتفاع الأسعار، وذلك من خلال زيادة الإنتاج بدعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وكذلك إعادة فتح المنغلق من المصانع، وتشجيع الأسر المنتجة، ورفع أسعار حاصلات السلع الرئيسة كالقمح والقصب والقطن والذرة، وذلك لمنع استيرادها بما يفضي إلى دعم المزارع الأجنبي، وكذلك لتحسين الظروف المعيشية لصغار المزارعين المصريين.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى