مقالات وآراء

د. حسام بدراوي يكتب لـ”الحرية”: بعض ذكريات يناير لعلنا نتعلم

كلما أتى شهر يناير يدور في ذهني قصة مصر كما رأيتها في 2011 منذ خمسة عشر عاما، بما كان متاحا لدي من معلومات والتي لخصتها ثم وثقتها في مذكراتي التي لم أنشرها.

أعلم من خبرتي أن الأحداث إذا كتبت وقت حدوثها، غير ما يكتب بعدها، بعض الأحداث تختلف الانطباعات حولها وتختلط الرؤى بها تأثرا بمعرفة تتكشف بمرور الزمن، وانطباعات قد تختلف، وقد تتعدد بعد الحدث.

لذلك آليت على نفسي كتابة وتسجيل أفكاري، وتوثيق انطباعاتي يوما بيوم ولحظة بلحظة، وحتي إذا غَيرتُ رأيا بتكشف حقائق جديدة، فإن الرجوع إلى قراءة مشاعر اللحظه وتحليل واقعها وقت حدوثها مهم في تسجيل التاريخ.

لقد تركت ثورة 2011 أجهزة الأمن من وجهه نظري في مصر سليمة جزئيًا، واكتشفنا لاحقًا أن أحد أهم أهداف من يديرون الثورة من خلف الستار -أي الإخوان المسلمين- كان تدمير رأس المؤسسة الأمنية في وزارة الداخلية وخلق توتر شديد بين أي زي رسمي والشعب.

مع ذلك، فقد احتفظت القوات المسلحة باستقلاليتها وظهرت سليمة وواثقة، ولكنها تميل لمساعدة أي هيكل مدني ما عدا الحزب الوطني والذي كان يحكم السياسات والانتخابات، لكنه لم يحكم البلاد فعليّا ، ولنا في هذا كلاما عندما يحين وقته.

كان تفكيك جهاز أمن الدوله هدفا، وهو عقل وزارة الداخلية والتأكيد من خلال إقالة قياداته، وسرقة مستنداته وتغيير اسمه، وتركه عرضه لغضب الشباب الثائرين مما كان يرضي الثائرين، ليكون جهاز أمن الدولة  ضحية الثورة التي لابد لها من ضحايا.

لسوء الحظ كان الإخوان المسلمون والسلفيون هما البديل الوحيد للحزب الوطني، كان لديهما التنظيم والتمويل، والمؤكد أنه لم يتظاهر الشعب في التحرير لتسليم السلطة للحكم الديني المتعصب، لكن – في رأيي- القوات المسلحة كانت تسعى لإزالة هيكل الحزب الوطني من لعبة السلطة بأسرع ما يمكن، لأن الواقع الدستوري حينها كان واضحًا في أن الرئيس التالي لمصر سيكون مدنيًا من الأحزاب السياسية القائمة مما يضع أحد المدنيين في قياده الحزب الوطني مرشحا رئيسيا.

مرة أخرى لدًي الكثير الذي يقال في هذا الأمر، وأنا كنت شاهدا على الأحداث ومشاركا فيها، ومعلنا مسبقا أن تركيبتي الثقافية والسياسية ضد التوريث، ولكن مع الديمقراطية، وهو ما سبب لي الكثير من الضرر في مسيرتي السياسية إسقاطا مقصودا في الانتخابات بواسطة بعض قادة الحزب.

كان خلق فراغ سياسي هو الفخ الذي وقعت فيه مصر وقد أعمتها الدعاية الهائلة التي صُنعت لاستبعاد كافة القوى السياسية المنظمة إلا الإخوان المسلمين.

كان عدو الإخوان الأول هو جهاز أمن الدولة، وبدرجه أقل  المخابرات المصرية والذين يعلمون عنهم كل شيء، يعلمون مصادر ثروتهم والعلاقات الداخلية والخارجية التي يقومون بها مع الاستخبارات الدولية في العالم وخاصه الولايات المتحدة والمملكه المتحدة.

نجح الإخوان المسلمون في التخلص من جهاز أمن الدولة كما أوضحت بلا مقاومة من بعض قاده الجيش الذين كانوا على اعتقاد أن الجهاز يساند التوريث بشكل أو بآخر، ولاحقًا وضع الإخوان مادة في الدستور الإسلامي يمنع أيًا من القاده المدنيين المؤهلين لمنافستهم من الحزب الوطني من الترشح لمنصب رئيس البلاد لمدة عشر سنوات وبذلك تخلصوا من التنظيم القادر على منافستهم ومن الأفراد المؤهلين لمنافستهم.

فور خلع مبارك ضغط الإخوان وتبنوا البرنامج الأمني العسكري المطروح وهو الانتخابات البرلمانيه أولًا والدستور والإصلاح لاحقًا، وانتخابات الرئاسة تجئ في النهاية.

أما القلة -وأنا ضمنها- والتي جادلت أن الديمقراطيات الجديدة تحتاج لوضع بعض الإرشادات الأساسية قبل الاندفاع إلى صناديق الاقتراع فقد تم إبعادها ومهاجمتها وتهميشها.

وأذكر أنني وآخرين قد حاولنا أثناء قيادات اللحظة من الاندفاع نحو ذلك ولم نفلح، وحاولنا أن نقنع السلطة العسكرية أنه بغياب كتلة مدنية منظمة فأي انتخابات برلمانية ستقدم السلطة إلى الإخوان على طبق من فضة، كان هدفنا انتخابات رئاسية أولا قبل انتخابات البرلمان وهو للأسف ما لم توافق عليه السلطة الحاكمة.

خلال هذه الفترة الانتقالية وبعد فوز الإخوان بما يزيد قليلًا عن 40% من مقاعد البرلمان -كما كان متوقعًا-مقابل كتلة منقسمة سياسية وغير منظمه، أظهر الإخوان الوجه الآخر لهم، وألقوا اللوم على المتظاهرين في العنف الموجه إليهم من الدولة وأدعى الإخوان مرارًا وتكرارًا بأن النشطاء، بيادق لوكالات الاستخبارات الأجنبية، وفي البرلمان انتهز الإخوان كل الفرص المتاحة لمدح جهات إنفاذ القانون ومنعوا كل المحاولات لمحاسبتهم بعد أن سيطروا عليهم.

تناقض في المواقف أصبح جليا بعدما انتقل الإخوان من طرف طاولة الحكم كمعارض إلى طرف الحاكم، وبمجرد حلف مرسي لليمين، بعد التهديد بالحرب الأهلية إن لم تعلن النتيجة على هواهم، هنأ الشرطة (أعداء الماضي القريب) على إصلاح نفسها مشيرا إليهم بجرأة، بصفتهم الشركاء المبجلون في ثورة 2011.

وغني عن القول أن انتهاكات الأمن زادت خلال ولاية مرسي القصيرة، وعززت ميليشيات الإخوان المسلمين الإكراه الرسمي، فقد كان هدفهم هو تأليف كافة القوى لصالح الحفاظ على قبضتهم على السلطة.

وأُذًكر أن الرئيس “المنتخب ديموقراطيًا”! التابع للإخوان المسلمين ونظامه خالفوا كل قوانين وأعراف الشرعية، حاصر أنصار الرئيس المحكمة الدستورية العليا لأكثر من 30 يومًا لإعاقة العدالة وتأخير الحكم في قضيتين حاسمتين يتعلقان بدستورية كل من الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى.

خلال تلك الفترة منح الرئيس نفسه الحق في التشريع وتحصين كل قراراته من الملاحقة القضائية، وأقال النائب العام مخالفًا ليمينه الدستورية وعين شخص من اختياره، مخالفًا أيضًا حدوده الدستورية، وبذلك أصبح الحاكم الأعلى لمصر، الرئيس التنفيذي والمُشرع والقاضي.

فلنَتَذكر التاريخ و الحقائق حتى لا نتوه في تمنيات جديدة، قديمة تعتمد علي النسيان وفقدان الذاكرة، هذا وقت الاستقرار والعمل سويًا والبناء وليس الهدم، الحياة اختيارات ولا يصح في كل مفترق طرق أن نعيد اختيار نفس الطريق وننتظر نتائج مختلفة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى