مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: باكستان وأفغانستان..جاران على حافة الاشتعال… أزمة حدود أم صراع هوية ودولة؟

رغم الروابط الدينية والاجتماعية والقبلية العميقة التي تجمع الشعبين، فإن العلاقة بين باكستان وأفغانستان تدخل في 2025–2026 مرحلة توتر بنيوي يتجاوز الحوادث الأمنية إلى أزمة تعريف للدولة والحدود والهوية.
إنه صراع لا يدور فقط حول خط جغرافي، بل حول معنى السيادة ومفهوم الأمن وحدود الانتماء.

فلماذا لا يهدأ الصراع؟

أولاً: “خط ديوراند”… بين الشرعية القانونية وذاكرة الإكراه

جوهر الإشكال يعود إلى خط ديوراند الذي رُسم عام 1893 في سياق التنافس الإمبراطوري البريطاني.

◾ قانونياً
   •   تستند إسلام آباد إلى مبدأ استمرارية الحدود الموروثة (Uti Possidetis Juris)، معتبرة أن الدولة الباكستانية ورثت حدودها الدولية عند استقلالها عام 1947.
   •   في المقابل، ترى كابل أن الاتفاق تم في ظل اختلال ميزان القوة، وبالتالي يفتقر إلى الرضا السيادي الكامل، ما يجعله — في القراءة الأفغانية — اتفاقاً سياسياً لا تسوية نهائية.

هنا يظهر التناقض بين الشرعية الشكلية في القانون الدولي والشرعية التاريخية في الوعي الوطني.

◾ سياسياً

الاعتراف الرسمي بالخط يعني عملياً طيّ صفحة “بشتونستان”، وهو ملف ظل جزءاً من الخطاب القومي الأفغاني لعقود. حتى حكومة حركة طالبان، رغم براغماتيتها الظاهرة، تتجنب الحسم النهائي في هذا الملف لتفادي حساسية داخلية.

◾ اجتماعياً وثقافياً

الحدود قسمت مجتمعاً قبلياً لم يعترف يوماً بالخطوط الصلبة.
العشيرة أقوى من الجواز، والقبيلة أسبق من الدولة.
وهنا تكمن المفارقة: دولة حديثة تحرس خطاً قانونياً، في مقابل مجتمع يرى الحدود امتداداً اجتماعياً لا فاصلاً سيادياً.

ثانياً: “طالبان باكستان”… من ورقة ضغط إلى قنبلة ارتدادية

الملف الأكثر تفجراً اليوم هو نشاط طالبان باكستان (TTP).

◾ أمنياً

تتهم باكستان كابل بتوفير ملاذات لعناصر الحركة في المناطق الحدودية، فيما تعتبر أفغانستان أن الاتهامات تُستخدم لتبرير عمليات عسكرية عبر الحدود.
الغارات الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية في خريف 2025 مثّلت نقطة تحوّل، إذ انتقل التوتر من الاتهام السياسي إلى الاحتكاك العسكري المباشر.

◾ استراتيجياً

المعادلة معقدة:
طالبان الأفغانية تدرك أن صداماً مفتوحاً مع إسلام آباد سيعمّق عزلتها الدولية ويهدد اقتصاداً هشاً، لكنها في الوقت ذاته لا تريد الظهور بمظهر من يقمع حركة “شقيقة” أيديولوجياً.

◾ سياسياً داخلياً

قيادة كابل تواجه اختباراً مزدوجاً:
   •   الحفاظ على الشرعية الأيديولوجية.
   •   بناء شرعية دولة تسعى للاعتراف الدولي.

إنها معادلة بين الثورة والدولة.

ثالثاً: العمق الاستراتيجي… والهند كظل دائم

لا يمكن قراءة المشهد دون إدخال الهند في الحسابات.

◾ الرؤية الباكستانية

ترى إسلام آباد أن أي تقارب أفغاني–هندي يهدد توازنها الأمني، خصوصاً في ظل التوتر التاريخي بين البلدين.

◾ الاتهامات المتبادلة
   •   باكستان تتهم كابل بالتغاضي عن نشاط جيش تحرير بلوشستان.
   •   كابل تتهم إسلام آباد بدعم فصائل مسلحة داخل أراضيها للحفاظ على نفوذ سياسي.

◾ القراءة الاستراتيجية

الدولتان عالقتان في “معضلة أمنية” كلاسيكية:
كل خطوة دفاعية من طرف تُفسَّر هجومياً من الآخر.
غياب آلية إقليمية موثوقة لفض النزاعات يجعل أي حادث حدودي قابلاً للتحول إلى أزمة إقليمية.

رابعاً: الاقتصاد واللاجئين.. الوجه الاجتماعي للصراع

◾ اقتصادياً

إغلاق معبر تورخام وغيره من المعابر يحوّل الحدود إلى أداة ضغط سياسي، لكنه في الواقع يضرب المجتمعات الحدودية قبل أن يصيب الحكومات.

◾ إنسانياً

ملف ترحيل اللاجئين الأفغان من باكستان يعيد فتح جراح أربعة عقود من اللجوء.
القضية لم تعد إنسانية فحسب، بل أصبحت ورقة ضغط متبادلة في الخطاب السياسي.

◾ اجتماعياً

الخطاب القومي المتشدد في الإعلام ومنصات التواصل يعمّق الاستقطاب، ويعيد تشكيل صورة “الجار” من شريك ثقافي إلى تهديد أمني.

لماذا تستعصي الأزمة على الحل؟

أزمة ثقة مزمنة:
التاريخ الحديث حافل بالتحالفات المؤقتة والانقلابات في المواقف.

هشاشة بناء الدولة في أفغانستان:
السؤال ما زال مفتوحاً: هل الأولوية لهوية دينية عابرة للحدود أم لدولة قومية ذات سيادة صلبة؟

المعادلة الباكستانية الدقيقة:
إسلام آباد تريد أفغانستان مستقرة، لكن ليس مستقلة بالكامل عن نفوذها.

الجغرافيا كعامل تصعيد:
الحدود الجبلية الوعرة تسمح بمرونة حركة الفاعلين غير الحكوميين، ما يصعّب أي ضبط أمني كامل.

هل يمكن كسر الحلقة المفرغة؟

الحوارات التي جرت في إسطنبول والدوحة أكدت أن القنوات الدبلوماسية لم تُغلق، لكنها أظهرت أيضاً أن المشكلة أعمق من تفاهم أمني عابر.

الحل يتطلب:
   •   اتفاقاً قانونياً مرحلياً لإدارة الحدود دون حسم سياسي نهائي.
   •   لجنة أمنية مشتركة دائمة لتبادل المعلومات حول الجماعات المسلحة.
   •   معالجة إنسانية منظمة لملف اللاجئين بالتعاون مع منظمات دولية.
   •   تحويل المناطق الحدودية إلى أحزمة تنمية مشتركة تخفف من جاذبية العنف.

الخلاصة الاستراتيجية

الأزمة بين باكستان وأفغانستان ليست حرباً معلنة، لكنها ليست سلاماً مستقراً.
إنها صراع بين منطق الدولة الحديثة ومنطق الهوية العابرة للحدود.

ما لم يتحول “خط ديوراند” من رمز انقسام إلى إطار إدارة مشترك، وما لم يُعاد تعريف الأمن بوصفه مصلحة متبادلة لا لعبة صفرية، ستبقى الحدود قابلة للاشتعال…
وسيظل أي حادث محلي شرارة قد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع في جنوب آسيا

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى