
في مشهدٍ صادمٍ ومعبّرٍ عن عمق الانفصام الذي تعيشه الأمة بين ماضيها وإيمانها، أعلنت وزارة الآثار عن فتح تحقيق في فيديو متداول لأحد زوّار المتحف المصري، وهو يتلو آيات من القرآن الكريم تتحدث عن فرعون وقومه.
لم يكن الرجل يعظ أو يخطب، بل كان يتأمل التاريخ بنور الوحي، ويذكّر الحاضرين بمصير المتكبرين، فإذا بالمؤسسة الرسمية تعتبر فعله “إساءة للمجتمع”!.
تلك الواقعة ليست حادثة فردية، بل علامة فارقة على مسار خطير يسعى لفصل الدين عن الحياة، وطمس الهوية، وبناء قيم مادية غربية لا دينية.
“القرآن والتاريخ.. من العبرة إلى التهمة”
القرآن الكريم لم يكن يومًا كتاب أساطير، بل هو أصدق سجلّ للتاريخ الإنساني.
وحين يذكر فرعون وقومه، فإنه يقدّم نموذجًا حضاريًا عن الطغيان والغرور، ويُظهر كيف تتحوّل الحضارة المادية إلى جثةٍ هامدة حين تُقصي الإيمان.
قال تعالى: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيةً وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92].
هذه الآية تُتلى اليوم في المتاحف التي تضم جسد فرعون نفسه، ولكنها تُمنع بحجّة أن الدين لا مكان له في “الفضاء الثقافي”!
أي مفارقةٍ أعظم من أن يُعرض جسد الطاغية ويُمنع ذكر آيةٍ أنزلها الله لتكون عبرةً للناس أجمعين؟.
إن هندسة الوعي مشروع التغريب الشامل، وما حدث في المتحف ليس سوى وجهٍ صغير لمشروعٍ أكبر يسعى إلى علمنة الوعي الجمعي، وتحويل الدين إلى شأنٍ شخصيّ منزوع التأثير.
يُراد للأمة أن تُعجب بالحضارة الفرعونية لا أن تعتبر بها، وأن تتحدث عن الآثار لا عن العِبر، وأن تقدّس التراث المادي وتُقصي الوحي الرباني.
إنها عملية هدمٍ للمرجعية الإسلامية وبناء لقيم بديلة تقوم على “التحضّر بلا إيمان” و”الحرية بلا مسؤولية” و”العلم بلا أخلاق”.
وهكذا يُعاد تشكيل الإنسان العربي ليكون مقلّدًا للغرب في فكره وسلوكه، لا وريثًا للنبوة ولا حاملًا لرسالة السماء.
“من تحنيط الأجساد إلى تحنيط القيم”
حين حُنّط الفراعنة أجسادهم طلبًا للخلود، انتهوا إلى جثثٍ في صناديق زجاجية. واليوم يُحنّط كثيرون قيم الأمة ليُعرض دينها في متاحف التاريخ، لا في واقع الحياة.
يريدون أن يبقى الإسلام تراثًا ثقافيًا يُذكر في المناسبات، لا منهجًا يوجّه المجتمعات.
وهكذا يُعاد إنتاج الفرعونية الجديدة في ثوبٍ عصريّ، تُعبد فيه المادة، وتُقصى فيه الروح، ويُستبدل فيه الوحي بالهوى.
“التنوير الحقيقي.. أن يضيء الوحي الطريق”
التنوير ليس في طرد الدين من المجال العام، بل في أن يُعيد الناس اكتشاف الحياة على ضوء الوحي.
فالأمم لا تنهض بعلومها المادية وحدها، بل بقيمها ومقاصدها التي تضبط مسارها.
قال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء: 9].
القرآن هو كتاب نهضة قبل أن يكون كتاب عبادة، كتاب بناءٍ للعقل والروح والمجتمع، وهو الميزان الذي تُقاس به الحضارات.
واجب الأمة اليوم: الدفاع عن المقدّس، والمعنى الدفاع عن القرآن في وجه الإقصاء ليس معركة هامشية، بل واجب شرعي ورسالي.
على العلماء والمفكرين والمربين أن يبيّنوا للناس أن الدين ليس ضد الحضارة، بل هو روحها، وأن الحضارات التي تُقصي الله مصيرها إلى الزوال مهما بلغت من القوة.
فمنع تلاوة القرآن في المتحف ليس حماية للآثار، بل خيانة للمعنى، وتشويه للهوية، وتمهيدٌ لقطع الأمة عن جذورها.
“رسالة نهضوية للأمة”
لن تنهض أمتنا إلا إذا استعادت ثقتها بدينها ووحيها، وعادت إلى القرآن مصدرًا للوعي والهوية والنهضة.
فالقرآن ليس كتاب طقوسٍ بل كتاب حضارة، وليس مجرد تلاوةٍ بل مشروع حياة.
ومن يتلو آياته في المتحف، إنما يذكّر العالم بأن الطغاة إلى زوال، وأن الأجساد وإن حُنّطت فإن القلوب لا تحيا إلا بنور الإيمان.
ختاما نقول: إن أخطر ما يُراد بالأمة اليوم هو أن تُنسى حقيقتها، وأن تُقصى رسالتها عن ميادين الحياة.
فكل من يجرّم تلاوة القرآن يعلن– بجهلٍ أو قصد– حربًا على هوية هذه الأمة.
وسيبقى الوعي الرسالي يقول:
لن نسمح أن يُمحى الوحي من الوعي، ولا أن يُفصل التاريخ عن الإيمان.
معركة الوعى قبل معركة التحرير.







