إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة يربك حسابات الاحتلال الإسرائيلي تماما

تتصدر مشاهد العودة الطوعية الواجهة السياسية مع استمرار تدفق مئات العائلات نحو تخوم الأرض المحطمة في تحد علني لكل سياسات التهجير القسري التي مورست ضدهم خلال الأشهر الماضية، حيث يجسد إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة رسالة صمود بالغة التعقيد تتجاوز مفاهيم الهجرة التقليدية وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه شعب يرفض التخلي عن هويته الجغرافية مهما بلغت التضحيات، وتبدو الحافلات المتراصة عند نقاط التفتيش كأنها فصول في رواية وطنية لا تقبل الانكسار حيث تتشابك فيها دموع الحنين بصلابة الإرادة الشعبية الجارفة،
تؤكد البيانات الرسمية الصادرة من الجهات المختصة داخل القطاع أن إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة لم يتأثر بحجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والمنازل السكنية في كافة المحافظات، وتكشف الأرقام الموثقة عن تسجيل عشرات الآلاف من المواطنين لأسماءهم في قوائم الانتظار الطويلة رغبة منهم في الرجوع إلى ديارهم حتى لو كانت عبارة عن أكوام من الركام فوق مساحة لا تتجاوز 360 كيلومترا مربعا، وتعكس هذه الرغبة العارمة فشل كافة الرهانات العسكرية والسياسية التي استهدفت تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وتحويلها إلى منطقة عازلة تفتقر إلى الحياة البشرية الطبيعية،
سياسات التضييق الممنهجة وعرقلة حركة العبور
تواجه رحلة العودة مسارا شاقا ومعقدا يبدأ من المعابر الحدودية التي شهدت إجراءات أمنية مشددة تهدف في جوهرها إلى عرقلة وصول النازحين وتقليص أعداد العائدين عبر فرض قيود تعجيزية، وتتحدث التقارير الحقوقية عن خضوع العابرين لسلسلة من التحقيقات القاسية ومصادرة المقتنيات الشخصية إضافة إلى ممارسات مهينة تشمل تقييد الأيدي وتعصيب الأعين لفترات طويلة بهدف ممارسة ضغوط نفسية، ورغم أن إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة يظل المحرك الأساسي لهذه الجموع إلا أن العراقيل الإسرائيلية الممنهجة تسببت في بقاء آلاف العالقين على الجانب الآخر من الحدود في انتظار فرصة الدخول،
تستمر المؤسسات الدولية في رصد انتهاكات صارخة بحق العائدين الذين تعرض بعضهم لمحاولات ابتزاز ومساومة مقابل السماح لهم بالمرور أو عرض مبالغ مالية عليهم لثنيهم عن قرار الرجوع إلى منازلهم المدمرة، وتعتبر هذه التصرفات انتهاكا جسيما للكرامة الإنسانية ولحق العودة الآمنة الذي تكفله المواثيق الدولية وقوانين حقوق الإنسان التي تضرب بها سلطات الاحتلال عرض الحائط بشكل مستمر، ويظهر إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة كحائط صد منيع أمام مخططات التغيير الديمغرافي التي تسعى تل أبيب لفرضها كواقع جديد بعد الحرب الدامية التي خلفت آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين تحت الأنقاض،
صمود إيماني وسط الركام وتحدي الواقع المرير
تجسد السيدة إيمان رشوان صورة حية لهذا الصمود وهي تنتظر بجانب حافلة تقل والدتها وشقيقتها للوصول إلى مستشفى ناصر الطبي بعد رحلة انتظار مريرة وعمليات تدقيق أمنية معقدة، وتؤكد هذه الحالات الفردية أن الدافع للعودة هو الانتماء المطلق للأرض وليس جودة الحياة المفقودة بفعل آلة الحرب التي مسحت أحياء كاملة من الوجود وحولتها إلى ساحات قفر، ويشير إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة إلى أن البقاء في الغربة القسرية يعد خيارا أصعب بكثير من العيش في خيمة فوق أنقاض منزل مدمر وسط نقص حاد في كافة الخدمات الأساسية والمقومات الضرورية للحياة،
تتكرر في شهادات العائدين عبارات تؤكد على التمسك بالتراب الوطني حيث يرى الكثيرون أن الموت في بيوتهم وبين أهلهم أهون بكثير من حياة الشتات والانتظار المهين على أعتاب المنظمات الإغاثية، ويبدو أن غزة التي أدهشت العالم بقدرتها على الصمود ما زالت تمتلك مخزونا استراتيجيا من الإرادة الشعبية الكفيلة بإفشال كافة محاولات الهجرة الطوعية أو القسرية التي يروج لها البعض، ويظل إصرار الفلسطينيين على العودة إلى قطاع غزة هو العنوان الأبرز لهذه المرحلة التاريخية التي يكتب فيها أصحاب الأرض ملحمة البقاء وسط ركام المنازل وصدى القذائف التي لم تنجح في انتزاعهم من جذورهم،








