
الرئيس السيسي، قال وفق ما نقلته «العربية»: إن مصر تمر بظروف صعبة منذ عام 2020، بداية من جائحة كورونا لمدة سنة ونصف، وأعقبها الحرب في أوكرانيا ، ثم الحرب في غزة ، وأخيرًا الحرب الإيرانية… وأهم شيء أن نظل.. “متكاتفين”.
الاتفاق مع توصيف، ثقل اللحظة ليس موضع خلاف.وان لم يعجب البعض، فالعالم بأسره عاش ارتباكًا ممتدًا، ومصر جزء من هذا المشهد الدولي . غير أن قيمة الاتفاق لا ينبغي أن تقف عند تشخيص الازمات، بل يجب أن تمتد إلى رسم الطريق لعبورها.
فالتكاتف الذي تحدث عنه الرئيس ،لا يُطلب فقط في زمن الشدة ، بقدر ما يطلب في كل وقت ،
لذا يحتاج إلى “تعريف عملي”، لبناء جسور ثقة تُشيد بالفعل،والعقل، والعمل، وتوسيع المشتركات
لا -فقط- بالعبارات ،والترضيات اللفظية..
التكاتف الحقيقي لا يُصنع بالصمت العام،
بل بالشراكة الوطنية الواسعة. ولا يتحقق بالاكتفاء بالدعوة إليه، بل بإزالة ما يعوق تحققه.
فحين يشعر المواطن أن رأيه محترم، وأن حقه في التنظيم والتعبير مصون، وأن القانون مظلة جامعة لا أداة انتقائية، تتشكل اللحمة الوطنية بصورة طبيعية، بلا إكراه ولا تصنع.
نعم..المنطقة تموج بتحديات عاصفة؛ من سد النهضة إلى ما يعتري السودان من اضطراب،[فضلا عن كل ما ذكر في تصريح الرئيس] من توترات الإقليم الأوسع والعالم.
الا ان هذه المخاطر تستدعي ،جبهة داخلية متماسكة.
والجبهة المتماسكة لا تقوم على تطابق الأصوات، بل على إدارة الاختلاف في إطار المواطنة. قوة الدولة القوية ، تُقاس بقدرتها على استيعاب التنوع، لا بإقصائه.
الأوقات الصعبة تُواجَه أولًا بشجاعة الإصلاح.
فالإصلاح السياسي والحقوقي، ليس عبئًا إضافيًا في زمن الأزمات،كما يتصوره البعض، بل هو صمام أمان يعزز المناعة الوطنية.
إطلاق حوار وطني جاد، وتوسيع المجال العام بضمانات دستورية واضحة، وتعزيز استقلال القضاء، وتهيئة مناخ انتخابي حقيقي، كلها خطوات تعمّق الثقة وتترجم الدعوة إلى التكاتف ليصبح واقع ملموس.
المصالحة الوطنية الواجبة، كما وردت في دستور ٢٠١٤، تبدأ بإشارات إنسانية وقانونية تعيد دفء العلاقة بين الدولة وأبنائها.
النظر في أوضاع المحبوسين في قضايا الرأي ممن لم يتورطوا -شخصيا-في عنف، وإتاحة المجال لاندماجهم في الحياة العامة، خطوة تعكس ثقة الدولة في نفسها. لا العكس المصالحة ليست تنازلًا، بل استثمارًا في الاستقرار.
الاقتصاد بدوره يحتاج إلى مناخ ثقة لا يقل أهمية عن المؤشرات الرقمية. أعباء المعيشة التي يتحملها المواطن تتطلب شفافية أكبر، وعدالة في توزيع الأعباء، ومراجعة لدور الدولة بما يعزز المنافسة ويصون الطبقة الوسطى. الإصلاح الاقتصادي لا ينفصل عن الإصلاح السياسي؛ كلاهما شرط لاستقرار مستدام.
شهر رمضان يطلّ على المصريين بروح مختلفة. شهر يمتنع فيه الناس عن أمور الأصل فيها أنها مباحة، طلبًا لمعنى أسمى. لعل في هذا الشهر الكريم فرصة رمزية وعملية معًا؛ فإذا كان الامتناع عن الحلال تهذيبًا للنفس، فإن الإقدام على حلحلة أوضاع متصلة بالحقوق والحريات واجب أولى. رمضان زمن المراجعة والصفاء، وزمن القرارات التي تعيد ترتيب الأولويات.
اللحمة الوطنية التي يُرجى تحقيقها لا تنمو في بيئة الخوف، بل في مناخ الطمأنينة. المواطن الذي يطمئن إلى عدالة القضاء، وحرية الإعلام، ونزاهة التنافس السياسي، يكون أكثر استعدادًا لتحمل أعباء الاقتصاد، وأكثر صبرًا على تحديات الخارج.
الاختلاف في الرأي لا ينتقص من الوطنية، بل يثريها. النقد الأمين ليس خصومة، بل حرص على بقاء الدولة قوية ومستقرة.
التجارب تثبت أن الدول التي بادرت إلى الإصلاح في أوقات الضيق خرجت أكثر تماسكًا، بينما تلك التي أجّلته دفعت كلفة أعلى لاحقًا. الدعوة إلى أن نظل متكاتفين يمكن أن تكون بداية مرحلة جديدة، إذا اقترنت بإجراءات تبني الثقة وتفتح المجال. ليكون التكاتف عقد اجتماعي متجدد، قوامه المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحوار لا القطيعة.
هكذا تتحول العبارة من خطاب إلى مسار، ومن أمنية وطنية إلى حقيقة راسخة تصون الدولة والمجتمع معًا.







