مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: الإسلام العسكري.. حين يُعاد تشكيل الدين على مقاس السلطة!

لم يكن مشهد حضور عبد الفتاح السيسي كشف هيئة عسكرية لدفعة من الشيوخ بعد دورة تدريبية مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل كان مشهدًا مكثف الدلالات، يختصر طبيعة العلاقة التي يريدها النظام بين السلطة والدين، ويكشف بوضوح عن النموذج الذي يُعاد تصنيعه لما يمكن تسميته اليوم بـ«الإسلام العسكري».


في هذا النموذج لا يُنظر إلى الدين باعتباره مرجعية أخلاقية تقوّم الحاكم وتضبط السلطة وتنتصر للمظلوم، بل يُعاد تعريفه كأداة ضبط اجتماعي، ووظيفة أمنية، ووسيلة تهدئة لا إيقاظ. الشيخ هنا لا يُقدَّم بوصفه وارثًا للنبوة أو شاهدًا على الحق، وإنما موظفًا منضبطًا داخل منظومة أكبر، تُدار بالعقيدة العسكرية قبل أي اعتبار شرعي أو أخلاقي.

الإسلام العسكري ليس إسلام الصلاة والصيام بقدر ما هو إسلام الطاعة الصماء. هو تدين يُعلّم الناس كيف يخضعون، لا كيف يسألون، ويُربّيهم على القبول لا على المحاسبة. تُختزل القيم الكبرى في عبارات عامة عن الاستقرار، وتُفرّغ مفاهيم العدل والشورى والأمر بالمعروف من مضمونها، لتصبح مجرد شعارات تُرفع عند الحاجة وتُسحب عند أول تعارض مع إرادة السلطة.
في هذا الإسلام، تُفصل الرسالة عن الواقع، ويُجرد الدين من بعده السياسي والحضاري.

لا حديث عن الظلم الاجتماعي، ولا عن السجون، ولا عن الفساد، ولا عن فلسطين، ولا عن الدماء المهدرة. كل ما يمت بصلة للشأن العام يُصنّف باعتباره فتنة أو خروجًا أو تهديدًا للأمن القومي. الدين يُحبس داخل المسجد، ويُسمح له بالكلام فقط حين يكون الكلام بلا أثر.

العسكرة هنا ليست في الزي ولا في التدريب فقط، بل في العقل والمنهج. الشيخ يُدرَّب كما يُدرَّب الجندي، يُقاس بالانضباط لا بالعلم، ويُكافأ بالولاء لا بالصدق. المرجعية لم تعد النص ولا مقاصده، بل التعليمات، والتوجيهات، والخطوط الحمراء. وهكذا يتحول المنبر من مساحة هداية إلى منصة تعبئة عكسية، تبرر الواقع بدل تغييره.
هذا النموذج لا يأتي من فراغ، بل من خوف عميق لدى السلطة من الإسلام الحي، الإسلام الذي يذكّر بأن الحكم أمانة، وأن الظلم محرّم، وأن الأمة صاحبة حق، وأن كلمة الحق عند السلطان الجائر عبادة. لذلك كان لا بد من إنتاج إسلام بديل، منزوع الدسم، مؤمَّن أمنيًا، خاضع إداريًا، لا يربك الحسابات ولا يوقظ الوعي.


الفرق شاسع بين الإسلام الذي ربّى الصحابة على الحرية والمسؤولية، وجعل العالم مستقلًا عن السلطان، وبين هذا الإسلام المُعاد تصنيعه داخل الثكنات. الأول أقام حضارة، والثاني يُستخدم لإدارة الخوف. الأول كان صوتًا للأمة، والثاني يُراد له أن يكون صدى للسلطة.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في مشهد واحد ولا في تدريب مجموعة من الشيوخ، بل في المسار الكامل الذي يُعاد فيه تشكيل الوعي الديني ليخدم الاستبداد، ويُستخدم فيه الدين لا لتحرير الإنسان، بل لتطويعه. وحين يُعسكر الدين، لا يخسر الدين وحده، بل تخسر الأمة بوصلتها، ويُترك المجال فارغًا إما للتطرف أو للانفلات.
الدين الذي يُستخدم لتبرير القمع ليس دينًا، بل أداة. والشيخ الذي يُراد له أن يطمئن الناس على ظلمهم لا يهديهم، بل يُخدّرهم. وفي النهاية، لا يمكن لإسلام صُنِع في المعسكر أن يصنع أمة حرة، ولا لخطاب خاضع أن يبني وعيًا، ولا لدين مُؤمَّن أمنيًا أن يكون شاهدًا على الحق.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى