مقالات وآراء

عمرو هاشم ربيع يكتب: انتخابات البرلمان ومستقبل العمل التشريعي في مصر

بعد أيام تنتهى انتخابات مجلس النواب 2025، وعقب إعلان النتائج يكون قد بدأ تشكيل مجلس نواب جديد، نواكب وكبوات ملئت دروب المعنيين بتلك الانتخابات، وهم الإدارة والمرشحين والناخبين، إضافة إلى من يقف خلف بعض هؤلاء من الأجهزة المعنية التي وقفت تتحارب وتتقاتل فيما بينها لتشكيل البرلمان، رغم أن هؤلاء متشاركون في انتماءهم للسلطة التنفيذية، لينذر الأمر بمأساة كبرى، تتعلق بتداعيات كل ذلك ليس على البرلمان القادم فقط، بل على الحياة السياسية في مصر برمتها.
مما لا شك فيه أن تلك الانتخابات كانت هي الأهم في تاريخ مصر منذ سنوات عديدة، لأنها عرفت مشكلات لم يسبق لها أن شهدتها مصر في أحلك الظروف، كما أنها الأهم بسبب دور مجلس النواب كجزء من حال المجال العام في مصر، وكذلك دوره في انتخابات الرئاسة 2030، التي يفترض دستوريا ألا يشارك فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي. لذلك أصبح من المهم أن يكون هناك حصاد حقيقي، يجب أن يخلُص إليه كل طرف، يسعى جادا ألا يلحق بمصر ما لحق ببلدان أخرى جاره، نالها من عدم الاستقرار قسطا وافرا، فراحت أقدامها تغوص في أوحال لا زالت ماثلة أمام الأعين.

من هنا فإن الشأن العام في مصر مقبل على تحديات مهمة يجب التعامل معها بكل حرفية وحذر، حتى لا تقع البلاد في براثن عدم الاستقرار.

هنا سيتم التطرق إلى الوسائل التي يتصور نجاعتها على الصعيد البرلمان، قبل أن ينتقل الحديث في مرة تالية عن الشأن العام.

لا جدال أن البرلمان في مصر يعد مؤسسة محورية رغم ما يُذكر كثيرا عن كونه مؤسسة مفعولا بها، تتلق التعليمات من خارجها، وتتشكل وفق قوانين مزاجية غرضها التحكم في العضوية كي تكون بالفعل متحكما فيها من الخارج أثناء عملها.
من هنا فإن تغيير عمل البرلمان يعد من الأمور المهمة للغاية التي يمكن أن تُنسي الرأي العام النواكب العديدة التي مر بها تشكيل البرلمان الحالي هنا فإن البرلمان القادم يتحتم أن يُغير من نهجه، بل ومن الأهم أن تتغير نظره المؤسسات الأخرى إليه، لذلك فإن عليه أن يقوم بواجبات مهمة.

التعبير عن المصالح

قيام البرلمان بوظيفة التعبير عن المصالح لا يتأتى إلا من خلال إصلاح البيئة السياسية التي يعمل فيها، بمعنى أن يكون مؤسسة مستقلة غير متحكم فيها من الأجهزة الأمنية التي مردت على قيادته في الخفاء، وجعلت منه في الواقع مجرد دمى أو ديكور أو هيكل كاريكاتيري يتحرك ويعمل بواسطة من هم خارجه.
يرتبط بما سبق ضرورة رفع الضغوط الممارسة على مجلس النواب، والمؤدية لشل حركته. لقد مرد مجلس النواب في الكثير من الأمور على أن ينتظر موقف من هم خارجه لكي يبدأ عمله، فكل الأمور تتم بالغمز واللمز، وبالتمرير وبالموافقات الضمنية، وبالمقابل منع إدارة المجلس من إظهار المواقف المفضية إلى تفعيل آليات المحاسبة، وإخراج مشروعات الأعضاء بقوانين بدلا من كونها حبيسة الأدراج.

لا شك أن هذا الأمر يحتاج إلى نوايا طيبة، حتى يثق من هم خارج البرلمان بمن هم داخله.
أبرز أمور الداعية إلى تلك الثقة إلا تتعامل الجهات الخارجية مع البرلمان على أنه مؤلف من أُناس غير وطنيين، أو في أقل الأحوال قُصر، فتنظر تلك الجهات إلى النواب على أنهم ممثلين للناخبين وللمصالح التى يرتبطون بها. بعبارة أخرى، من المهم الإقرار أن البرلمان هو بوتقة الصهر لعديد المصالح العامة المراد التعبير عنها، وأن النواب هم القادرين وحدهم على قيادة المشهد النيابي، دون ضغوط أو تخويف أو ترهيب ينال من كيانهم، ويوصم البرلمان بما تصفه الأدبيات الغربية البرلمانية برلمانات الدول الشمولية بأنها برلمانات تمريرية Rubber Stamp .

تصرفات النواب بعيدة عن الأهواء الشخصية

لا شك أن هذا السلوك البرلماني لا يعنى على الإطلاق أن يتصرف نفر من النواب وفق أهوائهم ومصالحهم الشخصية الضيقة، متكئين على الحصانة البرلمانية، ومن ثم خوض بعض النواب في مشروعات فساد وإفساد للمجتمع والدولة على السواء.
لا سيما وقد جاء الكثير منهم -خاصة المنتمين لأحزاب الموالاة أو القريبة من هذا النهج- عبر مال انتخابي غير مشروع، وهو ما أتضح في عديد المعلومات التي تم تداولها عبر التواصل الاجتماعي، عن بيع مقاعد مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية والوفد والإصلاح والتنمية، المخصصة لهم ككوته من مستقبل وطن أو بالأحرى من أسسه. وتلك المعلومات ذكرها رئيس حزب الوفد عن الحزب بلا مواربة.

إصلاح -ولا نقل تغيير- الشأن البرلماني أمر يحتاج إلى بعض الجهد، كي تمر البلاد من مأزق عدم الاستقرار بسلام.
يكفي هنا التذكير بأن انتخابات2010 بكل ما تضمنته من تزوير وعدم نزاهة كانت هى القشة التي قصمت ظهر نظام الرئيس حسني مبارك، حيث كانت من أبرز أسباب عدم الاستقرار الذي شهدته البلاد بعد أسابيع قليلة من إعلان نتائجها، الأمر الذي أسفر عن الإطاحة كلية بنظام مبارك، حيث فتح الشعب المصري كافة مشاكله المتراكمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ليعبر عن عدم رضاؤه عن النظام الذي ظل جاثما على صدره لنحو ثلاثة عقود.

إصلاح المنظومة التشريعية والبداية من الانتخابات

على أرض الواقع، فإن إصلاح منظومة التشريع تبقى هي المحك الرئيس لتفعيل الدور الحقيقي لمجلس النواب.
لذلك فإن المجلس مطالب أكثر من أي وقت مضى في سن أو تعديل عدة قوانين. أغلب تلك القوانين حث الدستور على سنها، ومنح أوقات لا يجب تجاوزها حتى تخرج إلى النور، لكن السلطة في مصر رفضت دوما الاستجابة لتلك الاستحقاقات الدستورية، وظلت بعض مشروعات القوانين حول تلك الموضوعات معلقة في أدراج المجلس، كي لا تر النور.

البداية يتحتم أن تكون في تعديل القوانين المتصلة بالعملية الانتخابية، وهي العامل الرئيس لتشكيل البرلمان.
هنا من الملائم البحث الحقيقي عن نظام انتخابي يتلافى عيوب النظام الحالي، خاصة فيما يتعلق بإجراءات الترشح، ومواجهة المال الانتخابي الفاسد، وعجز الإدارة الانتخابية عن التصرف والعمل، ومعالجة عدم النزاهة في أعمال الاقتراع والفرز. أهمية تعديل قوانين الانتخاب، فوق أنها ستكون هادفة لتحقيق النزاهة والموضوعية، أنها ستساهم في تشكيل برلمان من قوى سياسية جادة، عوضا عن الأحزاب التي أبت إلا أن تنشأ في أحضان السلطة بأجهزتها المختلفة والمتصارعة أحيانا.

لا شك أن النظام الانتخابي الحزبي النسبي عبر أسلوب القوائم المغلقة، يعد لدى الكثيرين الأكثر عدالة وموضوعية.
كونه لا يحرم الأقليات السياسية والاجتماعية من المشاركة، ولا يجعل الأغلبية مستحوذة على الإجماع، مقابل حرمان الباقين، أو حتى مشاركة الجزء اليسير منهم عبر الشق الفردي من هذا النظام المحرض على الرشاوى الانتخابية والعصبيات. يكفي هنا القول أن هذا النظام يقضي على الرشاوى الانتخابية بشكل شبة كامل، كون بضعة أحزاب هنا هي الطرف الفاعل في الانتخابات، وليس مئات المرشحين، ما يُسهل من عملية الرقابة على المال الانتخابي من قبل الإدارة الانتخابية.

ربما لا يجد المرء عيبا في هذا القوائم النسبية المغلقة فقط سوى أنه يعطي لرؤساء الأحزاب سلطة شبة مطلقة في ترتيب أسماء المرشحين في القوائم.
لأن الأخذ بالقوائم النسبية الحرة أو النسبية المفتوحة يعد صعبا للغاية كما تفعل بعض الدول الأوروبية، لكون نسبة معتبرة من الناخبين سيكونون غير قادرين على فهمه بسبب مناخ الأمية التعليمية ومن باب أولى الثقافية. المؤكد أن نظام النسبي لن يكون مستحيلا أن تتمثل فيه الكوتات الانتخابية الست التي أتي بها الدستور الحالي، ما دام لم يُعدل الدستور للخلاص من تلك الكوتات، التي أربكت الانتخابات منذ الأخذ بهذا النظام. إذ لم يعرف عن أي نظام انتخابي في العالم أن أخذ بكل هذه الكوتات جملة واحدة.

المحليات وتداول المعلومات وعدم ندب القضاة

قانون الإدارة المحلية، الذي يُعيد تشكيل المجالس المحلية التي غابت لأكثر من عقد ونصف، واحد من أهم تلك القوانين.
فتلك المجالس هي البداية الحقيقية لعملية التجنيد السياسي، وهي المخول لها عمليا مكافحة الإرهاب، وتنمية الموارد الاقتصادية، والرقابة على الإدارة في المحافظات، وتأمين الاحتياجات الخدمية للمواطنين، وإعفاء نواب البرلمان من العمل كنواب للمحليات.

قانون تنظيم وتداول المعلومات الذي طال انتظاره يبقى أيضا من القوانين المهمة الغائبة.
والتي من خلالها يتم محاربة الشائعات، التي طالما عانت السلطة منها. هذا القانون يعيد للمواقع الإلكترونية تحريرها، ويمنح الصحافة والإعلام درجة أكبر من الحرية، وكل ذلك سيكون حلا ملائما لوضع عقوبات على تداول الشائعات، وهي العقوبات التي أقر رئيس الوزراء بضرورتها منذ أقل من شهر!!

قانون منع ندب القضاة إلا لغير الجهات القضائية، يظل هو الأخر مهم.
لكونه يمنع الحكومة من فساد القضاة، كونها تقوم بتشغيلهم في دواوينها لفترة، وإغداقهم بالحوافز المالية، ثم تركهم ليعودوا لردهات المحاكم لرد الجميل.

تفعيل منظومة الرقابة والمحاسبة البرلمانية

ما من شك أن تفعيل منظومة الرقابة على السلطة التنفيذية هو واحد من أهم أعمال البرلمان.
وبالمقابل فإن إهمال الشق الرقابي، بالاكتفاء بمصالح النواب في الدوائر الانتخابية الضيقة، وعبر وسائل رقابة محدودة القوة (السؤال وطلبات الإحاطة)، وإهمال الرقابة على فشل السياسات العامة، وتقصير المسئولين المصريين التنفيذيين في عملهم، المرتبط بمشكلات الصناعة والزراعة والاستثمارات والدين الخارجي والصحة والتعليم وحقوق الإنسان …إلخ.

وذلك عبر آلية لجان تقصى الحقائق حول مخالفات الحكومة وأجهزتها التنفيذية، إضافة إلى آليات أخرى قوية.
خذ على سبيل المثال آلية استخدام الاستجواب التي رغم كونها لم تسفر عن شيء فيما يتصل بتطورها لإسقاط الحكومة، إلا أن استخدامها يحقق درجة من الإشباع أو الرضاء للمواطن، لكونها أداة قوية يتم من خلالها امتصاص غضب الرأي العام، لعديد المشكلات التي يئن بها الشارع المصري على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

من هنا فمن الضروري أن يدرك نائب البرلمان وصانع القرار معا أن السكوت على الخطأ أو كَفرُه يُشكل ضررا كبيرا.
وأن المحاسبة والرقابة هي الوسيلة المُثلي لإعمال البرلمان لسلطاته، ولكسب المزيد من الشعبية في الدائرة الانتخابية، وأيضا اكتساب الحكم لشرعية متصاعدة كونه يستجيب لرغبات الناس، بفضح المخالفات، ما يفضي عمليا إلى إعمال مبدأ المسئولية الوزارية، التي لا شك أنها تقود إلى إصلاح الخلل في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

هنا من المهم تعديل لائحة مجلس النواب حتى تنفتح طاقة المحاسبة.
ولا يتحكم فيها قيادات البرلمان المُعرضون لضغوط الجهات الأمنية لعدم الاستجابة لطلبات المعارضة، والذين يتلكأون دوما بالضغوط البيروقراطية.

وفق هذه الآليات جميعا، يفترض أننا سنكون أمام مؤسسة تشريعية متمدينة.
ينسى الناس من خلالها بعض المآسي التي حدثت إبان الانتخابات.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى