جلد امرأة في سبها الليبية يثير جدلا حقوقيا وتساؤلات حول الكرامة والعدالة

تسببت واقعة إقامة عقوبة الجلد العلني في مدينة سبها، الواقعة بجنوب ليبيا، بحالة واسعة من الجدل القانوني والحقوقي المحتدم، بعد مرور أسبوعين كاملين على تداول مشاهد مصورة لتنفيذ الحكم بحق امرأة متهمة بارتكاب جريمة الزنا. وأكدت آراء قانونية أن العدالة الحقيقية لا تتوقف عند حدود إنفاذ الأحكام فحسب، بل تمتد لتشمل حماية الكرامة البشرية، وتأكيد مبدأ المساواة الكاملة أمام النص القانوني، وقطع الطريق أمام أي ممارسات تؤدي إلى التشهير بالمحكوم عليهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
كشفت هذه التداعيات عن وجود فجوات تشريعية واضحة في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية المطبق في ليبيا، وسط مطالبات بضرورة تبني آليات إصلاحية حديثة تتماشى مع المعايير المعاصرة للعدالة والنزاهة. وبينما يدافع أنصار الأحكام القضائية عن موقفهم باعتباره تطبيقاً نصوصاً قانونية سارية، يصر الحقوقيون على أن الإشهار بالجسد وتحويل العقوبات إلى مشاهد مألوفة يعصف بضمانات المحاكمة العادلة ويفقد العقوبة غايتها الإصلاحية الحقيقية.
تحذيرات حقوقية من تحويل العقوبات إلى وسيلة تشهير مجتمعي
تطرقت شهادات حية وموثوقة من مدينة سبها إلى أن مشاهدة الأفراد وهم يُجلدون في الطرقات العامة أمام مختلف الفئات العمرية تشكل صدمة بالغة، فضلاً عن كونها تمثل تراجعاً قيمياً ينذر بتحويل الإذلال الجسدي إلى مظهر مألوف في الشارع الليبي. وشددت الطروحات الحقوقية على أهمية التوجه نحو العقوبات البديلة مثل العمل للمصلحة العامة وبرامج التأهيل والإصلاح، بدילًا عن الوسائل التقليدية التي تكتفي بإيلام الجسد وتكريس الوصمة الاجتماعية.
أكدت الناشطة سلمى مسعود أن تقييم سلامة أي مسار عقابي يستوجب بالضرورة التأكد من توفر كافة ضمانات التقاضي السليم، مثل استقلال القضاء وحق الدفاع الفعّال وإتاحة سبل الطعن. وأوضحت أن تصوير أحكام الجلد ونشرها رقمياً يخلق عقوبات مضاعفة تمتد نفسياً واجتماعياً لتطال عائلة المحكوم عليه طوال حياته بسبب بقاء المحتوى مخزناً على شبكة الإنترنت لفترات زمنية طويلة.
غياب المساواة وتساؤلات حول غياب الطرف الآخر
أثارت الناشطة سلمى مسعود علامات استفهام كبرى حول غياب ظهور الرجل المتهم في نفس القضية والاكتفاء بتنفيذ العقوبة العلنية بحق المرأة وحدها، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بمبدأ المساواة أمام القانون وتطبيق الإجراءات بعدل ودون تمييز بين الأطراف. وطالبت الجهات المعنية بضرورة إقرار قواعد صارمة تمنع الاستغلال الإعلامي لتنفيذ العقوبات، بما يحفظ هيبة المؤسسات القضائية ويصون حقوق الأفراد الأساسية في الدولة الليبية.







