شباك نورمقالات وآراء

ايمن نور يكتب : تفاصيل الأيام الثلاثة. لندن بعد غياب

مساء التاسع من فبراير 2026 صافحتني لندن بعد ربع قرنٍ من صمتٍ طال، كأنها مدينةٌ تعرف موعد العائدين وتُحسن استقبالهم.
لم تكن زيارتي عابرة، بل عودة إلى جزءٍ من ذكريات تركتُها هنا منذ زمن.

عند بوابة مطار هيثرو، انسكبت في عروقي مشاعر متناقضة؛ رهبة اللقاء، وحنين الغياب، ودهشة أن يبقى المكان كما هو بينما يتغير فينا كل شيء.
كان الضباب اللندني كأنه يقرأ وجهي، ويبتسم ابتسامة من يعرف أن العابر ليس غريبًا.

هذه الرحلة التي استمرت لثلاثة أيام بدت كقصيدةٍ تمشي على قدمين، تتنفس بين شوارع الذكرى، وتستعيد أسماءً وأصواتًا ووجوهًا صنعت بعضًا من ملامح الطريق.
لكل مدينةٍ رائحة، ولـلندن رائحةٌ خاصة كرائحة الكتب القديمة، وأوراق النقاشات الطويلة، وصخب السياسة حين تكون فكرة لا خصومة.

صباح الحادي عشر من فبراير سعدت بلقاء العزيز الدكتور محمد علي حراث، وزيارة مقر صحيفة التربيون، وكذلك مجموعة القنوات التلفزيونية التي يملكها.
كان الحديث بيننا دائمًا أبعد من جدران الإعلام؛ حديثًا عن دور الكلمة حين تقاوم الصمت، وعن مسؤولية المنبر حين يتسع للغاتٍ أخرى ولا يضيق بها.
هكذا تعلمت أن مخاطبة العالم بلغاته رسالةٌ أكبر بكثير من أن نخاطب أنفسنا ونظن أننا أدّينا الواجب.

ازددت امتنانًا بلقاء لفيفٍ من الحضور العربي في ندوة مهمة جمعت الوزير التونسي أحمد قعلول، والإعلامي الفلسطيني عدنان حميدان، والإعلامي الكبير صالح الآزرق، ونخبة من العراق واليمن ولبنان ومصر.
شرفت أن أكون المتحدث لهذه النخب العربية في ذكرى تنحي مبارك (11 فبراير).
إنها لحظةٌ من تاريخٍ لم تنطفئ، ما زالت تتجدد كلما استعادها الناس بوعيٍ لا بمرارة، وبسؤالٍ لا بخوف.
كان الحوار صريحًا، وكانت العيون تصغي كما لو أن التاريخ يُكتب من جديد بعد 15 عامًا.

كان لي في صباح نفس اليوم اجتماع هام في أروقة مجلس العموم البريطاني، لقاءاتٌ في مكانٍ له عبقٌ تاريخي عظيم، شعرت فيه أن للصدى ذاكرة.
جدران مجلس العموم البريطاني شهدت مناظراتٍ ومعارك صنعت مصائر أمم، وها هي تستقبل خطواتنا نحن أيضًا.
تشرفت بلقاء النائب جون تركيت، أحد أبرز النواب المساندين للحقوق العربية، والتقيت البارونة مانزيلا اودين وبلفيفٍ من النواب والنائبات المحترمين.
كان النقاش رصينًا، تتقدم فيه الفكرة على الانفعال، والحجة على الشعارات.
اصطحبني جون تركيت ومساعده في جولة في تاريخ الحياة البرلمانية البريطانية، دخلنا دهاليز وغرفًا غير مسموح بدخولها، وحضرنا سوياً جلسة برلمانية من داخل القاعة الخضراء العتيقة؛ كانت رحلةً طويلة عبر الزمن والتاريخ وكرم الضيافة وسط بحر التقاليد العتيقة.

أما لقاء الأصدقاء القدامى، فكان دفؤه مختلفًا.
لقاء الحاج أشرف السعد، وهو بلدياتي وتجمعنا صداقة ومودة وحب وتاريخ منذ قرابة 40 عامًا.
تجمعنا الصداقة والذكريات ولا تفرقنا السياسة.

والتقيت أيضًا بالدكتور وفيق الشيخ، رئيس الجالية المصرية في المملكة المتحدة الأسبق وشقيق أخي الراحل المستشار مرسي الشيخ نائب رئيس حزب الغد.
هذه اللقاءات الشخصية أعادت إلى القلب شيئًا من طمأنينة البدايات؛ فالزمن بيننا لم يكن فجوة، بل جسرًا من ود.
قد تختلف المواقف، وقد تتباين القراءات، لكن الاحترام المتبادل يظل اللغة الأصدق، والمحبة الشخصية أوسع من خلافات السياسة.

وفي ختام رحلة الأيام الثلاثة تلقيت دعوة كريمة للإفطار مع الإعلامي والسياسي التونسي محمد الهاشمي، مالك قناة المستقلة، ليكون اللقاء الأول معه بدايةً لرحلة مودة بدأت عن بُعد منذ عقدين.

لندن في هذه الأيام الثلاثة لم تكن مدينة أزورها، بل مرآة أراجع فيها بعضًا من ذاتي وذكري.
بين لقاءٍ رسمي وحديثٍ شخصي، بين منصةٍ عامة وابتسامةٍ قديمة، أدركت أن الرحلات الحقيقية لا تُقاس بالمسافة الزمنية، بل بما تُعيده إلينا من وضوح.

وقبل أن تحملني أجنحة القطار إلى باريس لمواعيد هامة مع حبر الصحف الفرنسية العتيقة، افريكا انتلجنس ولوبينيون وأيضًا موند افريك، شعرت أن الرحلة لم تنتهِ، بل تبدّل فصلها.
هناك، على ضفاف المتوسط، ستواصل الكلمات مسيرتها، وتجد لنفسها نافذةً أخرى، وصوتًا جديدًا، وقافيةً لا تنقطع.

هكذا تمضي الأيام بين مدينتين، بين لندن وباريس، وبين ذاكرتين، وبين إيمانٍ بأن الكلمة حين تُكتب بصدق، تعبر الحدود دون تأشيرة، وتبقى أطول عمرًا من الغياب.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى