
وجوهٌ لا تمرّ في الذاكرة مرور العابرين،
بل تستقرّ فيها كما تستقرّ الأسئلة الكبرى في ضمير الأمم. وجوهٌ لم تطلب التصفيق، ولم تُحسن المساومة، فاختارت أن تدفع ثمن الصدق كاملًا، دون تقسيط أو انتظار تعويض. من بين هذه الوجوه، يطلّ قاسم أمين وصلاح جاهين، لا بوصفهما شخصين من زمن مضى، بل بوصفهما حالتين إنسانيتين ما زالتا تمشيان بيننا.
قاسم أمين لم يدخل المعركة صاخبًا،
ولم يرفع راية التمرّد على طريقة الهواة، بل تقدّم بالعقل عاريًا إلا من الحجة، وقال لمجتمعٍ خائف من المرآة: إن المرأة إنسان كامل، وإن انتقاصها انتقاص للوطن نفسه. لم يكن كلامه عن المرأة وحدها، بل عن الحرية حين تُحبس في نصف المجتمع، فتختنق في نصفه الآخر. هكذا وُلدت أفكاره يتيمة، لا سند لها سوى شجاعتها، ولا حماية لها سوى صدقها.
صلاح جاهين جاء من الطريق المعاكس.
لم يحمل كتابًا فلسفيًا، بل حمل ضحكةً واسعة، تخفي خلفها قلبًا هشًّا وأسئلةً موجعة. كتب بالعامية لأن الحقيقة، حين تُقال ببساطة، تصير أكثر فتكًا. ضحك كي لا يموت الناس من الحزن، وبكى في داخله لأن الحلم كان أكبر من قدرة الواقع على الاحتمال. وحين انكسرت الفكرة الكبرى، لم يملك إلا أن ينكسر معها، في صمتٍ لا يسمعه إلا من عرفوا أن الضحك أحيانًا شكلٌ آخر من أشكال المقاومة.
التقى الرجلان عند الحرية، وافترقا في الطريق إليها. واحدٌ قال: افهموا لتتحرروا. والآخر همس: أحبّوا لتحتملوا الحرية. العقل عند قاسم أمين كان أداة إنقاذ، والقلب عند صلاح جاهين كان ساحة اشتباك. كلاهما دفع ثمن السبق، لأن المجتمع لا يغفر لمن يراه قبل أن يراه هو.
الاتهام كان جاهزًا دائمًا. هذا اتُّهم بالكفر والتغريب لأنه فتح نافذة، وذاك اتُّهم بالسطحية لأنه خبّأ الفلسفة في نكتة. غير أن الزمن، حين هدأ غباره، فعل ما لم يفعله المعاصرون. ما كان جريمةً صار درسًا، وما كان سخريةً صار حكمة، وما كان صدمةً صار بداية وعي متأخر.
وجوه لا تغيب، لأنها لم تبحث عن خلاص فردي، بل عن معنى عام. لأنها آمنت أن الوطن لا يُبنى باليقين المريح، بل بالسؤال المقلق. ولأنها أدركت، مبكرًا، أن الحرية لا تأتي دفعةً واحدة، بل تدخل متسللة: فكرةً عند مفكر، ودمعةً عند شاعر، ثم وجعًا طويلًا في قلب أمة تتعلّم المشي من جديد.
كلما تعثّرنا في سؤال التقدّم، عاد قاسم أمين ليذكّرنا أن العقل أول الطريق. وكلما ثقل القلب وخذلتنا الأحلام، عاد صلاح جاهين ليقول إن الإنسان، رغم كل شيء، ما زال قادرًا على أن يضحك… وأن يحلم.
تلك ليست حكاية رجلين، بل شهادة وطنٍ لم ينتهِ بعد من دفع ثمن تأخّره، ولم يفقد—بعد—حقّه في المحاولة.








