
استشهاد أبناء القادة: لماذا يمثّل أعظم دلائل النصر وقانونًا من قوانين التمكين؟
لم يكن استشهاد أبناء قادة حماس وعائلاتهم حدثًا عابرًا، ولا مجرد ثمن يُدفع في معركة مفتوحة مع عدوّ محتل؛ بل هو واحد من أقوى المؤشرات الشرعية والتاريخية والاستراتيجية التي تشهد بأن مستقبل المقاومة في صعود، وأن الاحتلال مقبل على انحسارٍ محتم. فهذا النوع من التضحية، حين يصدر من القادة قبل الجنود، ومن الصف الأول قبل الصفوف الأخرى، لا يُصنع صناعات إعلامية، بل يعكس منهجًا أصيلًا سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وكل مشاريع التحرّر الكبرى عبر التاريخ.
قدوة النبي صلى الله عليه وسلم: القيادة التي تتقدم الصفوف.
التاريخ الإسلامي يقدّم النموذج الأسمى للقيادة الفدائية. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة الصفوف في بدر وأحد والأحزاب وحنين، وقال عن نفسه: “أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب”.
وكان الصحابة يرونه إذا اشتد القتال: “أقربهم إلى العدو”.
واستشهد أقرب أحبابه: حمزة، جعفر، مصعب، زيد، أسامة، خيرة المهاجرين والأنصار.. لم يكن أحد فوق الثمن ولا فوق التكاليف.
بهذه الروح تأسس مشروع الإسلام: القائد يقدّم أبناءه قبل أبناء الناس، ويُضحي بنفسه قبل أن يطلب التضحية من الآخرين.
حماس.. حين تصبح القيادة أول مَنْ يدفع الثمن، حين ينظر العالم اليوم إلى غزة، يدرك أن أبناء القادة وقادة الميدان أنفسهم يتقدمون خط النار:
– أبناء محمد الضيف.
– أبناء إسماعيل هنية.
– أبناء وخيرة ذرية القادة الميدانيين.
– عائلات كاملة تمت إبادتها.
هؤلاء لم يكونوا في مكاتب مغلقة ولا في حصون محمية؛ بل في قلب النار، مثلما كان أبناء عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه في المحنة.
استشهاد الأبناء والعائلات ليس “حدثًا عاطفيًا”، بل هو تجسيد لفلسفة القيادة الرسالية التي تفهم أن الطريق إلى التحرير يبدأ بصدق القدوة.
وحين ترى الشعوب أن قادتها “يدفعون أولًا”، يصبح الالتفاف حول المقاومة تلقائيًا، وتتحول المعركة من مواجهة عسكرية إلى مشروع أمة.
القانون الاستراتيجي: كل حركة تحرر صدقت في تضحيات قادتها انتصرت.
تاريخ حركات التحرر في العالم يقدم قاعدة شبه مطلقة:
– مانديلا سجنه 27 عامًا ودفع ثمنًا شخصيًا هائلًا.
– هوشي منه والڤيتكونغ فقدوا أبناء القيادات قبل غيرهم.
– الجزائر قدّمت آلاف الشهداء من الأسر القيادية نفسها.
– الثورة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي قامت على تضحيات كبار العشائر قبل غيرهم.
الاحتلالات تنهزم حين تواجه قيادة لا يمكن ابتزازها ولا ترهيبها لأنها دفعت أعلى كلفة ممكنة بالفعل.
والحركات تنهزم حين يكون قادتها في مأمن وأبناؤهم في مأمن، ويُطلب من العامة التضحية وحدهم.
في غزة، العكس تمامًا هو الذي يحدث؛ ولذلك تزداد المقاومة قوة رغم المجازر.
الدلالة النفسية والأخلاقية: الاحتلال يفقد أهم سلاح لديه.
الاحتلال الصهيوني اعتمد منذ 1948 على استراتيجية “كسر الإرادة” عبر استهداف المدنيين والرموز الشعبية.
لكن حين يرى أن استهداف أبناء القادة لا يُحدث انهيارًا في القيادة، بل يزيدها صلابة؛ هنا يفقد أهم أسلحته.
فاستشهاد أبناء القادة عند الاحتلال “ضربة معنوية للمقاومة”، لكنه على الأرض يتحول إلى تجديد شرعية، وتماسك اجتماعي، وتعزيز للثقة.
هذا التحول هو الذي أرعب المؤسسات الأمنية والسياسية في تل أبيب، لأنها تدرك أن مجتمعًا كهذا غير قابل للكسر.
الدلالة الشرعية: هذا هو الطريق الذي ينتصر فيه أهل الحق.
القرآن جعل معيار النصر متعلقًا بنوعين من البشر:
– قادة صادقون.
– أتباع ثابتون.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾.
أي أن النصر لا يُعطى بوفرة العدد والسلاح، بل يُعطى لمن صحّت نياتهم وثبتت قلوبهم، وعلى رأسهم القيادة.
حين يدفع القائد ثمنًا بنفسه وبأبنائه، فهو يعلن لله وللأمة أنه صادق في دعواه، وأنه لا يحمل مشروعًا للسلطة أو المكاسب، بل مشروع تحرير.
“لماذا يعدّ هذا من أعظم مؤشرات النصر؟”
1- لأن القيادة التي فقدت أبناءها لا يمكن أن تتراجع أو تساوم.
2- ولأن الشعب يرى نموذجًا حيًا للصدق فيلتف حول مشروع المقاومة.
3- ولأن الاحتلال يدرك أن رهانه على الترهيب فشل فشلًا تامًا.
4- ولأن التضحيات تُصنع بها “الشرعية الأخلاقية” التي لا تُشترى ولا تُفرض بالقوة.
5- ولأن هذا مطابق تمامًا للسنن الإلهية في التمكين: “حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا”.
الخلاصة: استشهاد الأبناء ليس خسارة.. إنه إعلان بأن المستقبل للمقاومة.
الاحتلال ينظر إلى هذه الأحداث كـ “إنجاز عسكري”، لكنه في الحقيقة يكتب شهادة وفاته بنفسه.
ما دامت القيادة تتقدم الصفوف، وما دامت عائلات القادة تدفع الثمن قبل الناس، وما دام المشروع قائمًا على القدوة لا على “الوظيفة”، فإن المقاومة تسير على سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى نهج كل حركة تحرر انتصرت عبر التاريخ.
المستقبل– وفق معادلات الواقع والشرع والتاريخ– ليس للاحتلال. والمستقبل– بكل وضوح– لمن يدفع الثمن صادقًا، ويصبر، ويثبت، ويقدّم أبناءه قربانًا للحرية.





