رحيل عميد الدبلوماسية الدولية بطرس بطرس غالي في ذكرى غيابه

ودعت الأوساط السياسية والدبلوماسية في مثل هذا اليوم من عام ألفين وستة عشر ميلادية قيمة وقامة عالمية كبرى برحيل الدكتور بطرس بطرس غالي الذي فارق دنيانا عقب رحلة حافلة بالإنجازات الأكاديمية والميدانية ، ويمثل بطرس بطرس غالي علامة فارقة في تاريخ العمل السياسي حيث استطاع ببراعته القانونية وحنكته الدبلوماسية أن يكون أول مصري وعربي وأفريقي يعتلي سدة الأمانة العامة للأمم المتحدة ، وولد هذا الدبلوماسي المخضرم في الرابع عشر من شهر نوفمبر لعام ألف وتسعمائة واثنين وعشرين لأسرة عريقة لها باع طويل في خدمة الشأن العام إذ شغل جده بطرس نيروز غالي منصب رئيس الوزراء في مطلع القرن الماضي ، وصقل بطرس غالي موهبته بالدراسة في كلية الحقوق بجامعة القاهرة التي تخرج فيها عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين ميلادية قبل أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة باريس ، وتعتبر مسيرته المهنية مزيجاً فريداً بين الفكر والعمل حيث عمل أستاذاً للقانون الدولي في كبرى الجامعات العالمية قبل أن ينتقل لمواقع صنع القرار الخارجي والتعامل مع أعقد الأزمات الدولية.
الريادة العربية في الأمم المتحدة والمهام الدولية لبطرس غالي
تولى الدكتور بطرس بطرس غالي منصب الأمين العام للأمم المتحدة في مطلع يناير من عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين ميلادية ليدشن حقبة جديدة من تفعيل دور المنظمة في حفظ السلم والأمن الدوليين ، ونجح بطرس غالي في قيادة المنظمة خلال مرحلة انتقالية حرجة أعقبت نهاية الحرب الباردة حيث أشرف على عمليات معقدة لحفظ السلام في الصومال والبوسنة والهرسك ورواندا بموضوعية واستقلالية نادرة ، وحرص خلال ولايته على تعزيز قدرات الأمم المتحدة في الوساطة وتسوية النزاعات الإقليمية مما جعله يواجه ضغوطاً كبرى من القوى العظمى بسبب مواقفه الصلبة وانحيازه لمبادئ الميثاق الدولي ، وتوج جهوده الأممية بقيادة احتفالات اليوبيل الذهبي لتأسيس المنظمة عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين ميلادية قبل أن يحول الفيتو الأمريكي دون استمراره لفترة ثانية نتيجة لتمسكه باستقلالية قراره السياسي ورؤيته لإصلاح المنظومة العالمية بما يحقق العدالة للدول النامية.
البصمات الدبلوماسية والمشروعات الفكرية لوزير الدولة للشؤون الخارجية
شغل بطرس بطرس غالي مناصب وزارية رفيعة المستوى حيث عين وزيراً للدولة للشؤون الخارجية في أكتوبر من عام ألف وتسعمائة وسبعة وسبعين ميلادية ورافق القيادة السياسية في محطات السلام التاريخية ، وساهم بطرس غالي بخبرته القانونية الواسعة في صياغة العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي حفظت المصالح الوطنية في المحافل الدولية حتى وصل لمنصب نائب رئيس الوزراء في مطلع التسعينيات ، ولم يتوقف عطاؤه عند العمل الرسمي بل أسس مجلة “السياسة الدولية” لتكون منبراً فكرياً رصيداً يرصد التحولات الاستراتيجية في العالم بأسلوب علمي دقيق ، وتقلد بعد رحلته الأممية رئاسة المنظمة الدولية للفرانكوفونية والمجلس الأعلى لحقوق الإنسان محلياً حيث ظل يدافع عن قيم الحرية والعدالة حتى لحظاته الأخيرة ، ورحل بطرس بطرس غالي في السادس عشر من شهر فبراير لعام ألفين وستة عشر ميلادية تاركاً إرثاً دبلوماسياً ملهماً للأجيال القادمة في كيفية إدارة الصراعات الدولية بلغة الحوار والعقل.







