مصر

قراءة في كتاب «مكرم عبيد.. كلمات ومواقف»رغم خلافه الشهير مع النحاس فإن أحدًا لم يشكك في وطنيته

تظل شخصية وسيرة مكرم عبيد من أبرز النماذج الدالة على وحدة مصر الوطنية. وتبقى مقولته الخالدة «مصر ليس وطنًا نعيش فيه، إنما هو وطن يعيش فينا» من أعمق العبارات الوطنية، كما ظل التزامه العملي بفكرة المواطنة الجامعة—مسلمين وأقباط—علامة فارقة في مسيرته النضالية وخطابه العام. وقد كان «خطيب الوفد» الأبرز، وأكثرهم استشهادًا بالقرآن في سياق يؤكد التعايش والمساواة، حتى صار مرجعًا للحكمة والعدل في الخصومات.

الكتاب ومؤلفته

صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب «مكرم عبيد.. كلمات ومواقف»، وهو من تأليف الدكتورة منى مكرم عبيد، ويُعد من أهم ما كُتب عن الرجل؛ إذ يجمع بين التوثيق الدقيق والبعد الإنساني، ويقع في 536 صفحة من القطع الكبير، مع مقدمة للدكتور أحمد زكريا الشلق. ويقدّم الكتاب بانوراما تاريخية/فوتوغرافية لمسيرة امتدت من ثورة 1919 إلى منتصف الأربعينيات، مدعّمة بالصور والوثائق والخطب النادرة.

من الوفد إلى المنفى

يروي الكتاب—استنادًا إلى مذكرات فخري عبدالنور—كيف التقى سعد زغلول بمكرم عبيد عام 1921 وأُعجب بمذكرته الإنجليزية ردًا على مشروع المستشار القضائي البريطاني، ليضمه إلى الوفد. وفي 1921–1923 نُفي مع سعد و**مصطفى النحاس** إلى سيشل؛ وهي تجربة صقلت رؤيته الوطنية، وعمّقت علاقته بسعد حتى عُرف بـ«ابن سعد»، ورسّخت لديه معنى التضحية والتحدي.

«المكرميات»: قلب الكتاب

تُفرد المؤلفة أكثر من 70% من الصفحات لـ«المكرميات»؛ أي الخطب والمذكرات والمقالات التي تكشف بلاغة عبيد وقوة حجته. من بينها:

  • مذكرته للمستشار القضائي البريطاني حول الاستقلال الذاتي.
  • خطبة 6 مايو 1921 التي أدت إلى نفيه.
  • محاضرات قانونية وسياسية حول «المفاوضات الشعبية».
  • خطبه في عيد الجهاد، ودعوته لاتحاد الأحزاب وتقديم الوطن على الحزبية.
  • مقالاته في الصحافة المصرية والبريطانية ضد «وزارة اليد الحديدية».
  • جولاته في بلاد الشام وفلسطين ولبنان، وخطبه عن عروبة مصر ووحدة المصير.

سيرة ومسؤوليات

يوثّق الكتاب محطات بارزة: ميلاده (1889)، تعليمه (الكلية الأمريكية بأسيوط ثم إكسفورد)، عمله بالعدل والوقائع المصرية، إضرابه 1919، انضمامه للوفد، انتخابه نائبًا عن قنا، توليه وزارات المواصلات والمالية والتموين في حكومات مختلفة، مشاركته في مفاوضات 1924 و1936، ومؤتمر مونترو، وإسهامه في بروتوكول الإسكندرية وميثاق جامعة الدول العربية (1945)، حتى وفاته عام 1961.

الخلاف مع النحاس… والكتاب الأسود

يتوقف القارئ عند محطة الخلاف مع مصطفى النحاس وإصدار «الكتاب الأسود»؛ وهي لحظة درامية شغلت الرأي العام. وعلى الرغم من حدتها، يؤكد السياق العام—كما يعكسه الكتاب—أن الوطنية لم تكن موضع تشكيك، وأن الاختلاف السياسي لم ينتقص من رصيد الرجل الأخلاقي والوطني.

شهادات كبار المفكرين

يضم العمل شهادات لرموز الفكر والسياسة، تؤكد مكانة عبيد كرمز للوحدة الوطنية والبلاغة السياسية، وتصفه بـ«الفارس الذهبي» للحركة الوطنية، و«المجاهد الكبير»، و«الزعيم الشعبي» الذي تجاوز الطائفية إلى مفهوم المواطنة الجامعة.

خاتمة

يخرج القارئ من «مكرم عبيد.. كلمات ومواقف» بسجل موثّق بالكلمة والصورة لمسيرة استثنائية؛ مسيرة رجل جمع بين الثقافة العربية الإسلامية والمعرفة الغربية، وبين الخطابة المؤثرة والعمل السياسي الصلب، ليبقى نموذجًا حيًا للمواطنة المصرية في أنقى صورها.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى