انتقادات واسعة للسفارة السودانية في مصر بشأن رسوم وثائق السفر وتكلفة ترحيل المحتجزين

تواجه السفارة السودانية في مصر اتهامات مباشرة بفرض رسوم مالية باهظة مقابل استخراج وثائق السفر وتغطية نفقات ترحيل المواطنين السودانيين عبر الحافلات المتجهة إلى مدينتي بورتسودان ووادي حلفا، حيث يأتي هذا التصعيد في ظل تدهور حاد للأوضاع الإنسانية عقب تسجيل حالات وفاة لمواطنين داخل مراكز الاحتجاز المصرية خلال أسبوع واحد فقط، وهو ما أثار تساؤلات قانونية وسياسية حول دور البعثة الدبلوماسية في حماية رعاياها الفارين من أتون الحرب الدائرة في الداخل السوداني حاليا، وفقا لما تم رصده من وقائع ميدانية متسارعة في محافظتي القاهرة والجيزة.
يلقي ملف الرعاية الطبية بظلاله على المشهد العام بعدما فارق الضحية الثالثة الحياة داخل حجز قسم شرطة العجوزة بمحافظة الجيزة نتيجة ظروف احتجاز وصفت بالقاسية وغياب التدخل الصحي اللازم لإنقاذ حياته، وتأتي هذه الواقعة لتنضم إلى سجل مأساوي شمل وفاة المسن مبارك قمر الدين والطفل النذير الصادق اللذين توفيا في ظروف مشابهة تماما داخل أقسام شرطة الشروق وبدر، مما يعكس حجم المأساة التي تعيشها الجالية السودانية في ظل استمرار حملات التوقيف التي طالت حتى حاملي بطاقات مفوضية اللاجئين “الكرت الأصفر” والإقامات القانونية السارية.
تداعيات الترحيل القسري ومخالفة المواثيق الدولية
تتصاعد التحذيرات القانونية من استمرار عمليات الترحيل التي تستهدف السودانيين وإعادتهم إلى مناطق تشهد نزاعات مسلحة وعمليات قصف جوي مكثف بما يهدد حياتهم بشكل مباشر ومحقق، إذ يعتبر قانونيون أن هذه الإجراءات المتبعة تمثل خرقا صريحا لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” الذي تنص عليه كافة المواثيق والمعاهدات الدولية المعنية بحقوق اللاجئين والفارين من الحروب، ومع ذلك تستمر السفارة السودانية في مصر في تحصيل الرسوم المالية المرتفعة من أهالي المعتقلين والناشطين دون مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمر بها هؤلاء النازحون قسريا.
تستمر الضغوط على البعثة الدبلوماسية السودانية لتوضيح معايير فرض هذه المبالغ المالية الكبيرة في وقت يعاني فيه السودانيون من تضييق مالي وإداري واسع النطاق، حيث يرى مراقبون أن الصمت الرسمي المطبق يزيد من وطأة المعاناة ويفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات بحق الفارين من جحيم القتال، وتظل قضية ترحيل المحتجزين عبر الباصات إلى بورتسودان ووادي حلفا نقطة ارتكاز في الانتقادات الموجهة للسفارة التي يقع على عاتقها مسؤولية أصيلة في الدفاع عن حقوق مواطنيها وتسهيل إجراءاتهم القانونية بدلا من تحميلهم أعباء مالية إضافية تفوق قدراتهم.
تشير الإحصائيات المرصودة إلى أن وتيرة التوقيف العشوائي قد ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الآونة الأخيرة وشملت فئات عمرية مختلفة مما تسبب في حالة من الإحباط لدى الجالية، وتتزامن هذه الإجراءات مع غياب قنوات التواصل الفعالة بين المتضررين وبين المسؤولين في السفارة السودانية في مصر الذين يطالبهم الجميع بالتدخل الفوري لوقف هذه الممارسات، خاصة وأن المخاطر المحيطة بعمليات الترحيل لا تقتصر على الجوانب المالية بل تمتد لتشمل تهديدات وجودية في مناطق النزاع التي يتم إرسال المرحلين إليها تحت وطأة الظروف الراهنة والمعقدة.
يؤكد المتخصصون في الشأن الحقوقي أن التعامل مع أزمة المحتجزين يتطلب رؤية دبلوماسية مختلفة تضع حماية الروح البشرية فوق أي اعتبارات مادية أو رسوم إدارية، حيث تسببت الوفيات المتلاحقة لكل من مبارك قمر الدين والطفل النذير الصادق في خلق حالة من الصدمة لدى الرأي العام المهتم بالشأن السوداني، وتظل المطالب قائمة بضرورة مراجعة كافة القرارات المتعلقة بتكاليف السفر والوثائق لضمان عدم تحول السفارة إلى عائق إضافي أمام السودانيين الذين تقطعت بهم السبل في ظل ظروف إقليمية ودولية شديدة الحساسية تتطلب التكاتف لا التعنت.
تستوجب الحالة الراهنة تحركا عاجلا لتقييم أوضاع المحتجزين في كافة الأقسام والمراكز وتوفير الرعاية القانونية والطبية اللازمة لهم لمنع تكرار حالات الوفاة، وتتحمل السفارة السودانية في مصر الجزء الأكبر من المسؤولية الأدبية والقانونية تجاه مواطنيها في هذا الصدد، حيث أن استمرار العمل بآليات الترحيل الحالية دون ضمانات أمنية كافية في مناطق الوصول يضعف من مصداقية الدور الدبلوماسي، ويبقى ملف الرسوم الباهظة هو العنوان الأبرز للاحتجاجات الصامتة التي يخوضها أهالي المعتقلين في انتظار انفراجة حقيقية تنهي هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة يوما بعد يوم.







