شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب أوراق ليبرالية ثلج ساخن.. ليبراليتهم المغشوشة (4)

هل هناك ليبرالية حقيقية وأخرى مغشوشة؟
وهل العيب في الفكرة ذاتها، أم في من يرفعون رايتها بأيديٍ مرتجفة وقلوبٍ خاوية من معناها؟
أسئلةٌ تبدو بسيطة، لكنها تحمل كل وجع اللحظة، وتفضح ما تراكم من التباسٍ وتزييفٍ لقيمٍ نادت بها مصر قبل أن تعرفها أوروبا على حقيقتها.
أعترف أنني حين أطرح هذه الأسئلة، فإنني لا أبحث عن جوابٍ مجهول، بل أختبر ضميري الذي يعرف مسبقًا أن الأزمة ليست في الليبرالية، بل في أولئك الذين يتخفّون وراءها، كما يتخفّى الديكتاتور في ثوب الديمقراطي، والمستبد في عباءة الحرية.

أزمة التيار الليبرالي المصري ليست وليدة اليوم،
بل هي ممتدة في عمق التاريخ السياسي، منذ أن تحوّل بعض المنتسبين إليه إلى عابري سبيلٍ في محطة «الترانزيت السياسي»، دخلوا من باب الليبرالية الرحب ليخرجوا من نوافذ الشمولية، مستغلين اتساع إطارها الأخلاقي والفكري ليبنوا لأنفسهم مواقف مؤقتة، قبل أن يخلعوا عنها رداءها حين تحين لحظة البيع.
كما حدث مع الطليعة الوفدية قبل عام ١٩٥٢، تلك الحركة التي كانت يسارية الهوى والعقل، لكنها لبست معطف الوفد حين كان هو قمة الهرم الليبرالي المصري.
وحين اشتد العود، تركت الوفد واتجهت إلى يسارٍ أكثر حِدّة، غير مدركة أن الخروج من بيت الليبرالية لا يعني الانتقال إلى الحرية، بل إلى نفقٍ آخر من الأدلجة والوصاية.

ثم أعاد التاريخ نفسه في التسعينيات،
حين انهار جدار برلين وتحلّل الاتحاد السوفييتي، فوجدت قوى شمولية وشخصيات كثيرة نفسها في العراء، تبحث عن مأوى فكري مؤقتٍ جديد، فاستظلّت بظل الليبرالية، لا حبًا فيها، بل هروبًا من ماضيها اليساري.
غير أنها لم تدخلها بالقيم التي خرجت بها منها، بل عادت وهي أسيرة الشمولية القديمة، محمّلة بقيمٍ تُنافق الحرية ولا تؤمن بها، تُصفّق للحكم العسكري وتُزيّنه بعباراتٍ منمّقة عن «الاستقرار» و«أولوية الدولة».
فأي ليبراليةٍ تلك التي تدافع عن سلطةٍ تُكمم الأفواه، باسم الوطن؟
وأي وطنٍ يُبنى فوق جثث الحرية وخرائب الضمير؟

أحمد لطفي السيد، رائد الليبرالية المصرية قال:
«الحرية ليست ترفًا، بل هي الغذاء الضروري للحياة»،
لكنّ ليبراليي الترانزيت جعلوها كمالياتٍ موسمية تُستعار حين تنفع، وتُنسى حين تُضرّ بالمصالح.
هم الذين يتحدثون عن الدولة المدنية وهم يبايعون الجنرال، ويهتفون باسم الديمقراطية وهم يُبررون القمع، ويُدينون الإقصاء وهم يمارسونه بشراهةٍ تحت شعار «من ليس معنا فهو ضدنا».
إنها معادلة ثلج ساخن، التي يتقنها أدعياء الليبرالية كما يتقن المنافق تلاوة القيم بلسانٍ لا يعرف معناها.

لقد كانت ثورة يناير لحظة الحقيقة.
جمعت الليبرالي والإسلامي واليساري في خندقٍ واحدٍ ضد الاستبداد، ثم فرّقت بينهم لحظة النصر الزائف، حين بدت الحقيقة عارية: لم يكن الجميع أبناء الحرية نفسها.
فمنهم من أرادها وسيلة، ومنهم من آمن بها غاية.
وما بين ١١ فبراير و٣ يوليو، اتسعت الهوة بين ليبراليةٍ تؤمن بالإنسان، وأخرى مغشوشةٍ تضع يدها في يد منتهي حقوق الإنسان بدعوى مواجهة الخطر الأكبر.
لكن ماذا بقي من الحرية حين يصبح الخوف منها مبررًا للاستبداد؟
وماذا بقي من الليبرالية حين تُدار بالأجهزة وتُحكم بمنطق المخبر؟

تلك اللحظة المريبة،
حين ذابت وجوه النظام القديم في تحالفٍ أُطلق عليه — زورًا — «تحالف القوى الليبرالية والمدنية»، كانت إعلان وفاةٍ مؤقتٍ للفكرة التي ولدت على يد حسن العطار والإمام محمد عبده و طه حسين و سلامة موسى و علي عبد الرازق.
أولئك الذين فهموا أن الحرية لا تستقيم مع الجهل، وأن الفكر لا يزدهر في سجون الرأي.


طه حسين قال: «الحرية لا تستقيم مع الجهل، والعقل المصري لن يُثمر ما دام خائفًا»، وقال علي عبد الرازق: «السياسة شأنٌ مدني يقرره الناس لمصالحهم لا نصّ فيه من السماء».
فأين ذهب هؤلاء من عقول من يتحدثون اليوم باسم الليبرالية؟
كيف ترفع شعار الحرية وأنت تكمم فم خصمك؟
وكيف تنادي بالمواطنة وأنت تبرر التمييز وتُقسم الدماء بين أحمر وأزرق؟
الحرية ليست اختيارًا انتقائيًا، بل مسؤولية أخلاقية لا تتجزأ.

الليبرالية الحقيقية لا تقبل بالتجزئة،
ولا بالانتقاء، ولا بالمقايضة على حساب المبادئ.
فهي التي ترفض الظلم ولو نزل على عدو، وتُدين القمع ولو وقع على خصم.
هي التي ترى في كل إنسانٍ قيمةً قائمة بذاتها، لا في نسبه ولا في مذهبه ولا في انتمائه السياسي.
أما الليبرالية المغشوشة فهي كالسلاح الفاسد، تصيب صاحبها قبل خصمه، تُستخدم بعض أدوات الاستبداد لتُدير معارك الديمقراطية، وتُنفق طاقتها في «معارضة المعارضة» بدل أن تواجه النظام.
هي ليبراليةٌ تبيع المبادئ في أسواق الخوف، وتشتري الصمت بأثمانٍ من دماء الأبرياء.

وأعجب، بل أكاد أستشيط،
من أولئك الذين يرفعون اللافتة الليبرالية ولا يتعاطفون مع شعبٍ محتلٍّ أو أرضٍ تُغتصَب.
الذين لا يرون في مأساة غزة أو السودان أو سوريا سوى مشهدٍ سياسيٍّ يُدار عن بُعد، دون أن يرتجف ضميرهم أمام طفلٍ تحت الأنقاض أو وطنٍ يُباد.
هل الليبرالية ضد الإنسان إذا كان فقيرًا أو مُستعمَرًا؟
هل الحرية حكرٌ على الشعوب التي تملك حسابًا مصرفيًا في الغرب؟
إن من لا يتألم لمأساة الآخر لا يملك قلبًا ليبراليًا، بل حسابًا مصرفيًا فقط.

بعض من يسمّون أنفسهم ليبراليين،
يفضّلون أن تكون الحرية حكرًا على النخبة، وأن يُدار الشعب بالوصاية الأبوية، كأننا لم نتعلم شيئًا من دروس التاريخ.
فالليبرالية المصرية الحقيقية كانت ابنة هذا الشعب وليست أبا له، ولا وصيًّا عليه، خرجت من الأزهر والمدرسة والمقهى والميدان، ولم تتصادم يومًا مع الإيمان أو الأخلاق، بل سارت في اتجاه رسالتها الكبرى: من التسامح إلى القبول بالآخر، ومن الشفافية إلى العدالة، ومن الإيمان بكرامة الإنسان إلى تقديس حريته.

أما الذين يجعلون منها رداءً سياسيًا مؤقتًا،
يلبسونه في لحظةٍ ويخلعونه في أخرى، فهم كمن يستأجر بيتًا لا يسكنه.
التاريخ لا يمنح «إيجارات طويلة» لأصحاب النوايا المؤقتة.
إن الليبرالية ليست محطة انتظار، بل طريقٌ طويل لا يُقطع إلا بالصدق، ولا يُختصر إلا بالثمن الأخلاقي الباهظ الذي يدفعه الأحرار وهم يدافعون عن قيمهم حتى النهاية.

إن المسافة بين الليبرالية الحقيقية وتلك المغشوشة،
هي المسافة نفسها بين حازم الببلاوي عام ١٩٩٣ — حين كتب كتيبًا هامًا عن «الديمقراطية الليبرالية» — وحازم الببلاوي الذي ظهر عام ٢٠١٣ رئيسًا لحكومةٍ أطلقت الرصاص على صدر الفكرة التي كتبها بيده.
الأول كان يكتب نصًا في فضيلة الحرية، والثاني كان يكتب تاريخًا في نفيها!
هكذا تتجلى المأساة: أن يتحول الكاتب إلى نقيض كتابه، والمفكر إلى عدوّ فكرته، والمذيع في حياته نقيضًا عاريًا عمّا يظهر به على شاشته!

أستعيد كل يوم سيرة أستاذي الذي لم أره،
مصطفى النحاس، ملاك الوطنية المصرية، الذي درستُ تاريخه طويلًا حتى أدركت حكمته في رفضه للحكومات الائتلافية مع من يرفعون الشعارات الليبرالية ولا يؤمنون بها.
كنت أظنه موقفًا متشدّدًا، حتى عرفت أنه كان موقفًا من الجوهر لا من الأشخاص، من الفكرة لا من السياسة.
فالنحاس كان يعرف أن الليبرالية لا تُقاس بما يُقال في خطاباتها، بل بما يُفعَل في المِحنة، وأن من يتنازل عن الحرية تكتيكًا يخسرها استراتيجيًا.

الليبرالية الحقيقية ليست شعارًا على لافتة،
بل ميثاق شرفٍ فكريٌّ وأخلاقيٌّ وإنسانيٌّ.
فهي تدور وجودًا وعدما مع العقل والحق ولو كان مُرًّا، وتُعارض أو تساند ولو كان الثمن غاليًا، وتبقى على صدق العهد والكلمة ولو سقط من حولها الجميع.
وتظل الليبرالية المصرية — كما فهمها الأوائل وكما نحلم بها اليوم — قيمًا لا تُشترى ولا تُباع، لا تُؤجَّر ولا تُستعار، هي التقاء الإيمان والعقل، بالأخلاق والسياسة، هي الوعد القديم الذي قطعه المصريون لأنفسهم يوم قالوا:
«لا حرية بلا كرامة، ولا كرامة بلا عدالة، ولا عدالة بلا إنسان».

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى