مراجع البكاي يكتب: حفتر والعواقير.. ثأر الأجداد بوجه الإعمار

لم تكن عمليات الاستحواذ على الأراضي الواسعة شرق ليبيا، خصوصًا في نطاق قبائل العواقير، مجرد صفقة عقارية أو خطوة ضمن مشاريع التنمية التي يروّج لها إعلام القيادة العامة في بنغازي. بل هي، كما تؤكد شواهد التاريخ وسلوكيات الحاضر، جزء من مشروع شخصي قديم يتجاوز الاقتصاد والسياسة نحو الثأر التاريخي والعقائدي.
استيلاء باسم الدولة
في السنوات الأخيرة، أجبر المشير خليفة حفتر قبائل العواقير على التنازل عن نحو 160 ألف هكتار من أراضيهم — مساحة تضاهي دولة صغيرة. لم يكن الهدف عسكريًا ولا اقتصاديًا، فحفتر وعائلته باتوا يملكون مساحات ضخمة تمتد من قمينس إلى توكرة، مرورًا بهلال بنغازي الساحلي، حيث لم يبقَ سوى القليل من الأرض خارج نفوذهم.
لكن هذا الجزء تحديدًا من أراضي العواقير كان مختلفًا. فالمسألة ليست قطعة أرض، بل أرض ذاكرة، تحمل في طياتها تاريخًا من الهزائم والإهانات العائلية التي لم تُمحَ من الذاكرة.
الثأر من أرض الهزيمة
في التاريخ الليبي القديم، وتحديدًا زمن الحروب القبلية، قاد رزق الله الحسوني ما عُرف بـ«صف البحر»، وهو حلف من وسط ليبيا حاول السيطرة على أراضي العواقير. غير أن هذا الحلف هُزم وطُرد من المنطقة على يد حمد اللواطي — الجد الأعلى لعائلة اللواطي — التي أصبحت رمزًا للانتصار على الغزاة.
تلك الهزيمة التي لحقت بصفّ رزق الله الحسوني كانت هزيمةً لأجداد حفتر، الذين جُردوا من الأرض والمكانة. واليوم، وبعد أكثر من قرن، يعود الحفيد العسكري ليعيد كتابة التاريخ بطريقته الخاصة — لا بالبنادق هذه المرة، بل بالعقود المزيفة والتهديد والابتزاز.
شراء وهمي واستيلاء فعلي
حفتر لم يشترِ الأرض كما يفعل المستثمرون، بل فرض أسعارًا رمزية وأجبر ملاكها على التنازل، ومن رفض قيل له: «ليس لك عندنا شيء».
الرسالة واضحة: هذه ليست صفقة بل تصفية حساب تاريخي.
ولم يُخفِ حفتر أو أبناؤه رغبتهم في السيطرة الرمزية على كل شبر من أرض العواقير، وكأنهم يسعون لمحو آخر أثر للهزيمة القديمة التي طاردت أجدادهم.
“الإعمار” ذريعة الخداع
يُروّج إعلام القيادة أن تلك الأراضي ستُستخدم في مشاريع إعمار وتطوير، لكن الحقيقة أن كل المخططات جاهزة وممولة مسبقًا، ولا تحتاج كل هذا التمدد الجغرافي.
الإعمار هنا ليس سوى غطاء لغزو اجتماعي وجغرافي يهدف إلى إعادة رسم موازين النفوذ شرق ليبيا، وخصوصًا داخل النسيج العوقاري الذي يعتبر بنغازي وامتدادها الساحلي «وطنه التاريخي».
ما يجري اليوم في شرق ليبيا ليس مجرد «تنمية» ولا «مشاريع وطنية» كما يُقال، بل انتقام تاريخي بوجه مدني.
حفتر لا يبني، بل يثأر — يشتري الأرض ليعيد كتابة التاريخ على أنقاض ذاكرة الهزيمة.
وما لم تدرك قبائل العواقير خطورة هذا التحول من الاستبداد العسكري إلى الاستعمار الاجتماعي، فإن المشهد القادم قد يشهد تحول بنغازي نفسها إلى إقطاعية عائلية تُدار بمنطق الثأر لا بمنطق الوطن.





