
لو وقفنا عند نهاية العصر الأيوبي والعباسي والمملوكي، هنلاقي إن المصري دايمًا بيتأثر بشكل ما باللي بيحكم وبياخد منه اللي يناسب هويته الراسخة.
مرة لغة مفروضة…
مرة دين مفروض…
مرة مذهب مفروض…
مرة قرار سلطان…
لكن لما وصلنا للقرن العشرين… الدنيا اتقلبت.
لأول مرة من آلاف السنين… المصري قرر يطلع من قلبه زعامته.
ظهور سعد زغلول ماكانش حدث عفوي، كان نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة وتطور في الوعي والعقل السياسي. كان زلزالًا حقيقيًا.
راجل طالع من قلب الشعب، مش من قصور الحكم.
كاريزما تمشي في الشارع كأنها نار، تشعل القلوب قبل الحناجر.
الوفد ماكانش مجرد حزب، كان حالة تعبير اتأخرت كتير.
كان أمة بتقول: إحنا عايشين وبنفوق.
وكانت دي أول مرة السياسة في مصر تطلع من الشارع، مش من فوق.
اللي حصل وقتها إن أفكار جديدة دخلت المدن، بتأثير المتعلمين والمثقفين أمثال محمد عبده، رشيد رضا، طه حسين، عباس محمود العقاد، قاسم أمين، نبوية موسى، أحمد لطفي السيد وغيرهم من رواد التنوير الحقيقي، مش تنوير الشعارات.
مش قهرًا ولا فرضًا…
لأ، المصري اختار.
اختار الحرية.
اختار الدستور كتعبير عن تطلعاته اللي طال انتظارها.
اختار فكرة إن البلد دي ليها صاحب، وصاحبها مش من براها تحت أي ادعاء.
بعد ما جرب التغاضي عن ده تحت شعارات وحدة الدين أو اللغة.
الشعب هو صاحب السيادة، وانتشرت صيحة مصر للمصريين اللي كانت امتدادًا طبيعيًا للثورة العرابية.
المصريون لأول مرة لاقوا صوت بيقول:
“إحنا مش رعية… إحنا مواطنين.”
ولاقوا رمز اسمه سعد… يمشي في الشارع، يفتح بقه، تلاقي الملايين تمشي وراه.
لدرجة إن الإنجليز، وصنيعتهم الملك، حرموا تداول اسم سعد زغلول نفسه.
وهنا… ظهر الإخوان.
مجموعة صغيرة في بدايتها، قدمت نفسها كبديل أخلاقي.
لكن أول ما دخلت السياسة اصطدمت بحقيقة واحدة:
الشعب اختار الوفد.
ماقدروش يكسروا الشعبية الجارفة للوفد،
ولا قدروا ينافسوا في انتخابات حقيقية،
ولا عرفوا يقنعوا مدن مصر اللي كانت مشتعلة بحرية حقيقية وليبرالية مجتمعية.
ففضلوا دايمًا في صف المؤيد للملك أو الداعم لحكومات الأقلية،
لأنهم ببساطة ماقدروش يقفوا قدام التيار الكاسح اللي اسمه حزب الوفد.
لما مات سعد… مصر كلها بكت.
لكن الروح ما ماتتش.
انتقلت لراجل اسمه مصطفى النحاس.
النحاس ماكانش يساري ولا ليبرالي مستورد،
كان مصري خالص في تكوينه،
واستحق بجدارة لقب زعيم الأمة.
شال راية سعد، وكمل الطريق، وكان فاهم إن مصر الحديثة بتتبني بإيدين شعبها…
مش بفتوى ولا بتنظيم مغلق.
والناس؟
فضلت مع النحاس.
زي ما كانت مع سعد.
زي ما كانت مع الوفد.
لأن لأول مرة السياسة في مصر ما كانتش مفروضة بالسيف،
دي سياسة طالعة من البيوت،
من ورش الصنايعية،
من قهاوي وسط البلد،
من الجامعات اللي اتفتحت لأول مرة للعقل الحر.
والإنجليز؟
اتجننوا.
مش فاهمين إزاي بلد اتفرض عليها المذهب بالعنف،
واللغة بالقهر،
والهوية بالسلطة…
تيجي عند الحرية وتقول:
“دي ملكي أنا… مش ملك حد.”
الوفد كان ظاهرة…
مش حزب.
كان مصر الجديدة وهي بتتولد.
والإخوان فضلوا على الهامش،
يستقطبوا،
ويهمسوا،
ويبحثوا دايمًا عن ظهر يسندهم.
لكن الشارع؟
كان للوفد.
والأمة؟
كانت مع سعد…
وبعده النحاس.
لما نبص لتاريخ مصر بعمق، هنلاقي إن كل حاجة اتفرضت عليها في وقت من الأوقات…
إلا الفكر السياسي الحديث.
المصري لأول مرة يكون صاحب قراره الحقيقي،
كان مع سعد،
مع الوفد،
مع نضال المدن،
مع طلب الدستور،
والحرية،
والكرامة.
ومن هنا نرجع لجملة واحدة واضحة:
هوية مصر مش دين…
مش مذهب…
مش لغة…
هويتها في اللحظة اللي الشعوب بتقف فيها وتقول:
“دي بلدي.”
المراجع:
- عبد الرحمن الرافعي – ثورة 1919: تاريخ مصر القومي من 1914 إلى 1921
- عبد الرحمن الرافعي – مصطفى النحاس باشا: حياته ووطنيته
- عبد الرحمن الرافعي – تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر
- طه حسين – مستقبل الثقافة في مصر
- محمد حسنين هيكل – سقوط نظام / وثائق وثورة
- محمد صبري السوربوني – تاريخ مصر الحديث والمعاصر









