
لم تعد الضربات العسكرية الإسرائيلية في لبنان محصورة ضمن الإطار التقليدي الذي عرفته جبهات الجنوب لعقود. فمع اتساع بنك الأهداف وتزايد الضربات خارج النطاق المعروف للمواجهة، بدأت ملامح استراتيجية عسكرية مختلفة تتبلور لدى الجيش الإسرائيلي في مقاربته للساحة اللبنانية، خصوصاً في ظل المواجهة المفتوحة مع حزب الله.
التحول الأبرز في المشهد العسكري يتمثل في توسيع نطاق العمليات ليطال مناطق أبعد من مسرح العمليات التقليدي، وصولاً إلى أطراف بيروت أو عمقها. هذا التطور لا يمكن قراءته كحدث تكتيكي معزول، بل كمؤشر على تغيير تدريجي في العقيدة العملياتية التي تحكم إدارة الصراع.
توسيع بنك الأهداف
في الحروب الحديثة، يسبق أي تحرك بري واسع ما يسمى بمرحلة “توسيع بنك الأهداف”. في هذه المرحلة تسعى القوة المهاجمة إلى ضرب البنية التحتية العسكرية واللوجستية للخصم، وتفكيك منظومة القيادة والسيطرة لديه. لذلك فإن انتقال الضربات من مناطق محددة إلى عمق العاصمة اللبنانية يعكس محاولة إسرائيلية لإرسال رسالة واضحة: لا وجود لمناطق محصنة بالكامل.
الضاحية الجنوبية لبيروت كانت تاريخياً مركز الثقل السياسي والعسكري لحزب الله، لكن توسيع الضربات نحو مناطق أخرى في العاصمة يهدف إلى كسر فكرة “المناطق المحمية”، وإظهار أن شبكة البنية العسكرية للحزب ممتدة جغرافياً ولا يمكن حصرها في نطاق محدد.
التمهيد النفسي والعسكري
تاريخ العمليات العسكرية يظهر أن الضربات العميقة غالباً ما تكون جزءاً من التمهيد لأي تصعيد أكبر. فالقصف الجوي لا يستهدف فقط تدمير القدرات العسكرية، بل يسعى أيضاً إلى خلق بيئة نفسية وسياسية تمهد للمرحلة التالية من العمليات.
هذا ما فعله أريئيل شارون قبل اجتياح لبنان 1982، حين بدأت العمليات الجوية والبرية المحدودة قبل أن تتحول إلى اجتياح واسع وصل إلى العاصمة. يومها نشأ جيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد ليشكل الذراع المحلية للحزام الأمني الذي فرضته إسرائيل في جنوب لبنان لسنوات.
اليوم، لا يعني استحضار تلك التجربة أن السيناريو نفسه سيتكرر حرفياً، لكنه يظل جزءاً من الذاكرة الاستراتيجية لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
السيناريو الأول: توغل محدود
السيناريو الأكثر تداولاً في التحليلات العسكرية يتمثل في توغل بري محدود داخل الجنوب اللبناني. الهدف من هذا النموذج هو إنشاء منطقة عازلة بعمق يتراوح بين عشرة وعشرين كيلومتراً، تسمح بإبعاد منصات الصواريخ عن الحدود.
مثل هذا السيناريو يشبه جزئياً نموذج الحزام الأمني الذي استمر حتى عام 2000، لكنه قد يعتمد هذه المرة على انتشار مباشر للقوات الإسرائيلية مع عمليات ميدانية سريعة لتدمير البنية العسكرية القريبة من الحدود.
السيناريو الثاني: عملية برية عميقة
الاحتمال الثاني يتمثل في عملية برية أعمق تمتد إلى مناطق داخلية مثل البقاع أو العقد الجغرافية التي تربط الجنوب بوسط لبنان.
هذا السيناريو يهدف أساساً إلى ضرب مراكز القيادة والاتصالات وقطع خطوط الإمداد. لكن تنفيذه يواجه عقبات كبيرة، لأن حزب الله أعاد بناء شبكة دفاعية معقدة منذ حرب لبنان 2006، تقوم على الأنفاق والتحصينات والانتشار اللامركزي للوحدات القتالية.
السيناريو الثالث: الوصول إلى بيروت
أما السيناريو الأكثر خطورة فهو عملية مركبة قد تصل في مراحلها النهائية إلى العاصمة اللبنانية. إلا أن هذا الخيار يظل الأقل احتمالاً في المدى القريب، نظراً لتعقيداته العسكرية والسياسية.
بيروت اليوم ليست المدينة نفسها التي واجهت القوات الإسرائيلية في الثمانينيات. الكثافة السكانية العالية والتشابك العمراني يجعل أي قتال داخل العاصمة مكلفاً للغاية. فالبيئة الحضرية تمنح المدافعين أفضلية كبيرة، وتحد من قدرة الدبابات والطائرات على العمل بحرية.
لهذا السبب تعتمد إسرائيل غالباً على مزيج من الضربات الجوية والعمليات الخاصة والاغتيالات الدقيقة قبل التفكير بأي تقدم بري في المدن الكبرى.
لماذا ضرب عمق بيروت؟
توسيع العمليات نحو عمق العاصمة يخدم ثلاثة أهداف رئيسية. أولها استهداف منظومة القيادة والسيطرة، إذ تعتقد إسرائيل أن بعض حلقات القرار أو التنسيق العسكري موجودة داخل بيروت أو في محيطها. أما الهدف الثاني فيتعلق بالبنية اللوجستية، لأن شبكات التمويل والاتصالات تمر في الغالب عبر العاصمة.
أما الهدف الثالث فهو الضغط السياسي. فالضربات في قلب العاصمة تخلق صدمة داخلية وتزيد من الضغوط على الطبقة السياسية اللبنانية.
حرب الاستنزاف بدل الاجتياح
رغم كل هذه السيناريوهات، فإن القراءة الاستراتيجية الأرجح تشير إلى أن إسرائيل قد تفضل نموذج “حرب الاستنزاف” بدل الاجتياح الشامل. هذا النموذج يعتمد على الضربات الجوية المتواصلة والعمليات الخاصة لإضعاف القدرات العسكرية تدريجياً، دون التورط في حرب برية واسعة قد تتحول إلى حرب مدن طويلة.
توسيع العمليات العسكرية خارج نطاق الضاحية وصولاً إلى عمق بيروت لا يعني بالضرورة أن اجتياحاً برياً وشيكاً سيقع، لكنه يشير بوضوح إلى أن بنك الأهداف الإسرائيلي يتسع وأن الخطوط الحمراء التقليدية تتآكل.
الانتقال من الضربات الجوية إلى تدخل بري واسع يبقى قراراً استراتيجياً كبيراً. لكنه قرار لن يُتخذ إلا إذا رأت إسرائيل أن الظروف العسكرية والسياسية تسمح لها بفرض واقع جديد على الأرض، شبيه – ولو بشكل مختلف – بما حدث في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وفي بلد يعيش أعمق أزماته السياسية والاقتصادية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل لبنان أمام جولة عسكرية محدودة، أم أمام محاولة لإعادة رسم معادلاته الأمنية من جديد؟







