
في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، لم يعد الأمن الإقليمي مسألة تحالفات ثابتة بقدر ما أصبح اختبارًا دائمًا لقدرة الدول على إدارة الاعتماد الخارجي دون الوقوع في فخ الارتهان الاستراتيجي. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتكرر كلما اقتربت المنطقة من حافة تصعيد جديد: من يحمي من؟
في كل مرة يقترب فيها الشرق الأوسط من مواجهة كبرى، يعود الجدل حول طبيعة القواعد الأمريكية في الخليج. فهل أُنشئت هذه القواعد أساسًا لحماية دول المنطقة، أم أنها تمثل في جوهرها أداة تخدم أولًا مصالح القوة العظمى التي تديرها؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل فرض نفسه مع تصاعد التوترات واحتمالات المواجهة مع إيران، ومع شعور متنامٍ بأن مفهوم “المظلة الأمنية الأمريكية” لم يعد ثابتًا كما كان يُصوَّر في العقود السابقة.
من الناحية الرسمية، تُقدَّم القواعد الأمريكية باعتبارها عنصر ردع يهدف إلى منع الانفجار الكبير وضمان استقرار تدفقات الطاقة العالمية. غير أن القراءة الاستراتيجية الأوسع تشير إلى أنها تشكل أيضًا بنية تشغيلية متقدمة تمنح واشنطن قدرة عالية على الانتشار وإدارة الأزمات عبر مساحات جغرافية واسعة. وبمعنى آخر، فإنها لا تُقرأ فقط من زاوية حماية الدول المستضيفة، بل كذلك باعتبارها جزءًا من منظومة أمن قومي أمريكي عابر للحدود. وربما يرى بعض الفاعلين الاقتصاديين أن هذا الحضور العسكري يساهم في خلق مناخ استقرار نسبي ينعكس على حركة التجارة والاستثمار، لكنه يظل عاملًا من بين عوامل عديدة وليس ضمانة قائمة بذاتها.
وهنا تظهر المفارقة التي يلخصها عنوان هذا المقال: من يحمي من؟ فوجود القواعد الأمريكية ربما يمنح نظريًا هامشًا من الردع، لكنه في التجارب العملية لا يقدم ضمانة مطلقة للأمن، بل قد يحول الدول المستضيفة إلى جزء من معادلات الصراع الكبرى، بحيث تصبح الحماية المفترضة مرتبطة بحسابات القوة العظمى أكثر من ارتباطها بحاجات الأمن المحلي. فالدولة التي تستضيف قواعد كبرى قد تستفيد من عامل ردع سياسي وعسكري، لكنها في المقابل تصبح معرضة لأن تكون جزءًا من أي تصعيد أوسع لا تتحكم هي في إيقاعه الكامل.
في لحظات التوتر مع إيران، تتضح هذه الإشكالية أكثر. فقرارات التصعيد أو التهدئة تُصاغ أساسًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، حيث تتداخل الحسابات الانتخابية مع كلفة الطاقة وتوازنات الكونغرس وأولويات الأمن القومي العالمي. لذلك، فإن الاعتقاد بأن القرار العسكري الأمريكي يخضع لرغبة طرف واحد أو لضغط خارجي منفرد لا يعكس تعقيد الصورة بالكامل، لأن واشنطن تتحرك وفق شبكة مصالح متعددة المستويات. ويذهب بعض المراقبين إلى أن التقارب العميق بين أولويات واشنطن وتل أبيب في هذا الملف قد حدّ من هامش المناورة الأمريكي، بحيث بات القرار في بعض اللحظات يبدو أقرب إلى تبني الرؤية الإسرائيلية منه إلى إدارة أمريكية مستقلة بالكامل.
لكن سؤالًا مهمًا فرض نفسه في السنوات الأخيرة: لماذا قلّصت الولايات المتحدة في بعض المراحل حضورها أو سحبت منظومات دفاعية في توقيت اعتبره كثيرون حساسًا؟ التفسير الأقرب هو أن العقيدة العسكرية الأمريكية نفسها شهدت تحولًا باتجاه إعادة توزيع الموارد، مع صعود التحدي الصيني وتزايد الأعباء في أوروبا. أي أن واشنطن باتت تميل إلى نموذج ردع أكثر مرونة وأقل كلفة، يعتمد على القدرة على التدخل عند الحاجة بدل الانتشار الدائم.
هذا التحول انعكس على حسابات دول المنطقة، التي بدأت تدرك أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية قد لا يكون خيارًا مضمون النتائج. لذلك اتجهت بعض الدول إلى تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية وتنويع شراكاتها العسكرية، في محاولة لبناء توازن أكثر استقلالًا في إدارة الأمن الإقليمي. وهو تحدٍ لا يتوقف عند حدود السلاح المادي فحسب، بل يمتد ليشمل فضاءات الأمن السيبراني والمعلوماتي، حيث تبرز الحاجة إلى امتلاك سيادة تقنية تقلل من الاعتماد الكامل على الأنظمة الخارجية، وتمنح هامشًا أوسع في إدارة المخاطر الحديثة.
وليس من الدقة التعامل مع هذه التحولات بوصفها استثناءً عابرًا، إذ يمكن ملاحظة نمط متكرر في السياسة الأمريكية: فعندما ترتفع كلفة الالتزامات الخارجية أو تتغير الأولويات، تميل واشنطن إلى إعادة التموضع. من فيتنام مرورًا بأفغانستان وصولًا إلى مراجعة كثير من التزاماتها في مناطق مختلفة، يظهر أن التحالف مع قوة عظمى يظل خاضعًا لحسابات المصلحة المتغيرة أكثر من كونه التزامًا ثابتًا لا يتبدل.
هذا الواقع يطرح معادلة صعبة أمام دول الخليج: فالاعتماد على الحماية الخارجية قد يوفر هامشًا من الردع، لكنه ربما يخلق في الوقت ذاته نوعًا من التبعية الاستراتيجية، حيث يرتبط الأمن بقرارات خارجية قابلة للتغيير. ومن هنا يمكن فهم توجهات بعض الدول نحو تنويع الشراكات وبناء منظومات دفاعية أكثر استقلالًا، ولو بشكل تدريجي. وهذا ما يجعل معضلة الأمن في الخليج أقرب إلى نموذج “الأمن بالوكالة”، حيث يتحقق الاستقرار الظاهري عبر اعتماد خارجي قد يحمل في داخله بذور هشاشته المستقبلية.
أما الحديث عن إشراك دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران، فيحتاج قراءة حذرة. فالحرب البرية الشاملة تبدو خيارًا عالي الكلفة وغير مضمون النتائج، ليس فقط للدول الإقليمية بل حتى للولايات المتحدة نفسها. كما أن هناك إدراكًا متزايدًا داخل بعض الأوساط السياسية الخليجية بأن الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد يفتح باب استنزاف طويل الأمد، خصوصًا إذا انتهت المواجهة الكبرى بين القوى الدولية وبقيت دول المنطقة وحدها في قلب الصراع. لذلك تبرز دعوات تدعو إلى موقف سياسي موحد يرفض الاعتداءات، لكنه يتجنب في الوقت ذاته التورط في صدام مباشر قد يعيد رسم توازنات المنطقة على حساب استقرارها.
فالخطر لا يكمن فقط في الحرب ذاتها، بل في شكل النظام الإقليمي الذي قد ينتج بعدها. إذ قد تؤدي أي مواجهة واسعة إلى ترتيبات أمنية جديدة تُفرض تحت ضغط الواقع، بما يفتح المجال أمام تدخلات أوسع بحجة إدارة الأزمة أو منع مزيد من الانهيار.
الضريبة المحتملة لهذا المسار متعددة الأبعاد. أمنيًا، قد تضطر الدول إلى رفع إنفاقها الدفاعي بصورة مستمرة. سياسيًا، قد تصبح عملية الموازنة بين القوى الكبرى أكثر تعقيدًا في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. وجيوسياسيًا، تزداد احتمالات أن تتحول المنطقة إلى ساحة رسائل متبادلة حتى دون رغبة مباشرة من الأطراف المحلية.
أما إيران، فإن مصدر القلق لا يرتبط فقط بقدراتها العسكرية، بل بطبيعة حساباتها الاستراتيجية. فالدول التي تعيش تحت ضغط طويل ربما تتبنى منطق رفع الكلفة كوسيلة للردع، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة محفوفة بالمخاطر، لأن الأطراف التي تشعر بأنها محاصرة قد تكون أكثر استعدادًا للمجازفة.
وفي عالم يعاد تشكيله بسرعة، لم يعد السؤال الحقيقي من يحمي من فقط، بل من يملك القدرة على حماية نفسه عندما تتغير أولويات الحلفاء وتتبدل خرائط القوة. فالأمن اليوم لم يعد مجرد مظلات خارجية، بل قدرة مستمرة على التكيّف، وبناء موقف جماعي متماسك، وتقليل هامش الاعتماد الأحادي على أي طرف.
فأخطر المراحل في التحولات الجيوسياسية لا تبدأ حين تُعلن الحروب، بل حين يظن الجميع أن معادلة الردع ما زالت تعمل بينما تكون شروطها قد تغيّرت بالفعل.







