العالم العربي

تهديدات الحوثيين لباب المندب تضغط على السعودية وسط تصاعد الحرب مع إيران

تصاعدت مخاطر تجدد المواجهة في اليمن، بعدما هددت جماعة الحوثي بفرض حصار بحري على الموانئ السعودية واستهداف حركة الشحن المرتبطة بالمملكة، ما يضع مضيق باب المندب أمام احتمالات اضطراب متزايدة، في وقت يواجه فيه مضيق هرمز قيودًا حادة بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

ويمنح الموقع الجغرافي للحوثيين الجماعة ورقة ضغط جديدة على السعودية، التي حولت الجزء الأكبر من صادراتها النفطية خلال يوليو 2026 إلى ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر، لتجنب الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز

هجوم مطار صنعاء يشعل التصعيد

بدأ التصعيد عقب تعرض مطار صنعاء الدولي لهجوم نفذته قوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، بهدف منع طائرة إيرانية من الهبوط، بعد استئناف الرحلات المباشرة بين إيران والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

واعتبر الحوثيون الهجوم اعتداءً تقف خلفه الرياض، وهددوا بالرد وفرض حصار على السعودية، بينما رأت الحكومة اليمنية أن الرحلات الإيرانية غير المصرح بها قد تستخدم لتعزيز النفوذ الإيراني ونقل الأسلحة والمعدات إلى الجماعة.

ويرى مراقبون أن استئناف الرحلات المباشرة بين صنعاء وإيران مثّل خطًا أحمر بالنسبة إلى السعودية والحكومة اليمنية، بينما اعتبر الحوثيون استهداف المطار تجاوزًا مماثلًا يستدعي الرد.

ومنذ ذلك الحين، أعلن الحوثيون إطلاق صواريخ باتجاه أهداف سعودية، إلى جانب استهداف ناقلات ومنشآت نفطية مرتبطة بالمملكة في البحر الأحمر، في إطار ما وصفوه ببدء حصار بحري ضد السعودية.

وأعلنت الجماعة أن تحركاتها قد تتوسع خلال الساعات والأيام المقبلة وفق تطورات المواجهة، بينما سجلت حركة السفن عبر البحر الأحمر تراجعًا ملحوظًا عقب الهجمات والتهديدات الحوثية.

باب المندب تحت الضغط

يربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة العالمية، إذ كانت تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي المسال قبل اتجاه عدد من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر.

ولم تتوقف الملاحة عبر المضيق بالكامل، إذ لا تزال بعض ناقلات النفط والسفن التجارية تعبر الممر، لكن استمرار الهجمات أو ارتفاع تكاليف التأمين قد يدفع مزيدًا من الشركات إلى تجنب المنطقة.

وأظهرت بيانات حركة الملاحة عبور 11 سفينة للسلع فقط من باب المندب خلال أحد أيام التصعيد، وهو أدنى مستوى يومي منذ أشهر، بينها سبع ناقلات نفط، في مؤشر على تزايد المخاوف من المخاطر الأمنية.

ويهدد أي تعطيل طويل للمضيق بوضع ثاني ممر رئيسي لإمدادات النفط تحت ضغط مباشر، بالتزامن مع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز بسبب المواجهة بين واشنطن وطهران.

السعودية تعتمد على ميناء ينبع

حولت السعودية خلال يوليو نحو 75% من صادراتها من النفط الخام والمكثفات إلى ميناء ينبع، بعدما أصبح نقل النفط عبر خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر خيارًا رئيسيًا لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز.

وتصل الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب السعودي الممتد إلى البحر الأحمر إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، يخصص منها ما يقارب مليوني برميل لتغذية المصافي الواقعة غرب المملكة، بينما يمكن توجيه نحو 5 ملايين برميل يوميًا للتصدير عبر ينبع.

لكن تهديد الحوثيين للموانئ السعودية والسفن المرتبطة بالمملكة يضع هذا المسار البديل في دائرة الخطر، خصوصًا أن جانبًا كبيرًا من النفط المتجه من ينبع إلى الأسواق الآسيوية يحتاج إلى المرور عبر باب المندب.

وقد تضطر شركات التكرير الآسيوية، حال استمرار التهديد، إلى الاعتماد على مسارات أطول وأكثر تكلفة، من بينها نقل النفط إلى البحر المتوسط ثم إرساله حول رأس الرجاء الصالح قبل العودة باتجاه آسيا.

ويضيف هذا المسار ما بين 20 و30 يومًا إلى مدة الرحلة، إلى جانب ارتفاع كبير في تكاليف استئجار الناقلات، وهو ما قد ينعكس على أسعار الشحن والطاقة في الأسواق العالمية.

خيارات الرياض تضيق

حافظت الجبهة السعودية اليمنية خلال السنوات الماضية على هدوء نسبي، بعد تراجع حدة العمليات العسكرية المباشرة بين الرياض والحوثيين، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت احتمالات المواجهة إلى الواجهة.

وتسعى السعودية إلى تجنب الانخراط المباشر في حرب واسعة مع إيران أو فتح جبهة جديدة في اليمن، لكن استمرار استهداف منشآتها النفطية وموانئها وسفنها قد يضعها أمام خيارات عسكرية وسياسية أكثر صعوبة.

وفي المقابل، يبدو أن تهديد الحوثيين لا يستهدف بالضرورة إغلاق باب المندب أمام جميع السفن، بقدر ما يسعى إلى إثبات قدرة الجماعة على تعطيل صادرات السعودية ورفع الكلفة الاقتصادية والأمنية على الرياض.

كما يمنح الضغط على باب المندب الحوثيين نفوذًا إضافيًا في أي مفاوضات مستقبلية مع السعودية والحكومة اليمنية، بما يشمل ملفات وقف الحرب ورفع القيود عن الموانئ والمطارات وصرف الرواتب والاعتراف بالدور السياسي للجماعة.

ورقة ضغط مرتبطة بالحرب مع إيران

جاء التصعيد بعد انهيار هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، كانت قد تضمنت ترتيبات لإعادة حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز لمدة 60 يومًا، بالتزامن مع مفاوضات سياسية بوساطة إقليمية.

ونصت التفاهمات على اتخاذ إيران ترتيبات تسمح بالمرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق، إلا أن الخلافات بشأن تنفيذها واستئناف العمليات العسكرية أديا إلى عودة التوتر وتعطل حركة الملاحة.

ومع تحول مضيق هرمز إلى ممر متنازع عليه، بات تهديد باب المندب يمنح الحوثيين وإيران قدرة أكبر على الضغط على الولايات المتحدة والسعودية وأسواق الطاقة العالمية.

وتشير التهديدات الحوثية إلى اتساقها مع هدف إيراني أوسع يتمثل في إبقاء طرق تصدير النفط والتجارة الدولية تحت الضغط، رغم احتفاظ الجماعة بهامش من الاستقلال في قراراتها وعدم اقتصار تحركاتها على تنفيذ تعليمات مباشرة من طهران.

وكانت إيران قد طلبت من الحوثيين الاستعداد لتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر حال استهداف الولايات المتحدة منشآت الطاقة الإيرانية، في مؤشر على أهمية باب المندب ضمن حسابات المواجهة الإقليمية.

القصف لم يحسم المواجهة

أظهرت المواجهات السابقة أن الحوثيين يمثلون خصمًا يصعب إخضاعه من خلال الضربات الجوية وحدها، بعدما أخفقت الحملات العسكرية السابقة في إنهاء قدراتهم الصاروخية والبحرية أو عزلهم عن مناطق سيطرتهم.

وصعّدت الولايات المتحدة عملياتها ضد الجماعة في مارس 2025، قبل أن تنهي الحملة بعد أسابيع، لكن الحوثيين احتفظوا بقدرتهم على تنفيذ هجمات تهدد حركة الملاحة والسفن التجارية والعسكرية.

كما لم تنجح سنوات التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن في دفع الحوثيين إلى الاستسلام، قبل انتقال الرياض إلى مسار التهدئة والمفاوضات غير المباشرة.

ويمنح التصعيد المحدود الحوثيين فرصة لتحسين شروطهم التفاوضية من دون الانخراط في حرب شاملة قد تستدعي ردًا سعوديًا وأميركيًا واسعًا، بينما تظل الرياض حريصة على تجنب عودة المواجهة المفتوحة وإراقة مزيد من الدماء.

وبذلك، يتحول باب المندب من مجرد ممر بحري مهدد إلى ورقة تفاوضية واقتصادية في يد الحوثيين، في وقت تتقلص فيه الخيارات المتاحة أمام السعودية لتصدير نفطها بعيدًا عن مناطق الصراع والتوتر الإقليمي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى