«زي النهارده» وداع المفكر الموسوعي مصطفى الشكعة صاحب الرؤى التنويرية في ذكرى رحيله

فقدت الأوساط الأكاديمية والثقافية قبل سنوات قامة فكرية سامقة برحيل الدكتور مصطفى الشكعة الذي غيبه الموت في العشرين من شهر أبريل لعام ألفين وأحد عشر ميلادية ، ويمثل مصطفى الشكعة علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي والدراسات الإسلامية المعاصرة حيث جمع بين دقة البحث العلمي ورحابة الفكر التنويري الذي يسعى لجمع كلمة الأمة ، وولد هذا العالم الجليل في شهر أغسطس من عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر بمحافظة الغربية ونشأ في ربوع قرية محلة مرحوم القريبة من مدينة طنطا حيث تلقى تعليمه الأولي بمؤسساتها التعليمية ، واستطاع مصطفى الشكعة أن يخط لنفسه مسارا معرفيا فريدا بدأ بالحصول على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة في الأربعينيات وصولا إلى درجة الدكتوراه في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ، وتعتبر مسيرته العلمية نموذجا يحتذى به في الصبر والمثابرة حيث تدرج في المناصب الجامعية حتى نال ثقة الجماعة العلمية بانتخابه عميدا لكلية الآداب بجامعة عين شمس العريقة.
العطاء الأكاديمي والمهام الدولية في مسيرة الدكتور مصطفى الشكعة
ساهم الدكتور مصطفى الشكعة في نقل الثقافة العربية إلى آفاق دولية رحبة من خلال تمثيله للبلاد في كبرى المحافل الثقافية والدبلوماسية خلال القرن العشرين ، وانتدب مصطفى الشكعة للعمل مستشارا ثقافيا في العاصمة الأمريكية واشنطن في ستينيات القرن الماضي مما أتاح له الفرصة لمد جسور التواصل الفكري بين الشرق والغرب بأسلوب راق ومؤثر ، ولم يتوقف عطاؤه عند حدود الوطن بل امتد ليشمل التدريس في جامعات عربية شقيقة مثل جامعة بيروت العربية وجامعة أم درمان بالإضافة إلى دوره التأسيسي كعميد لإحدى الكليات بجامعة الإمارات ، وحرص مصطفى الشكعة طوال مسيرته على غرس قيم البحث العلمي الرصين في نفوس تلاميذه ونشر روح التسامح والحوار من خلال عضويته في لجنة الحوار الإسلامي المسيحي بالأزهر الشريف ، وصار اسمه مرادفا للاعتدال والوسطية في طرح القضايا الشائكة مما جعله يحظى بتقدير واسع على الصعيدين الرسمي والشعبي.
التراث الأدبي والتكريم الرسمي لعميد آداب عين شمس الأسبق
ترك الدكتور مصطفى الشكعة للمكتبة العربية ذخيرة حية من المؤلفات التي تتناول التاريخ الأدبي والسير الذاتية للأئمة الأعلام بأسلوب تحليلي بديع يربط الماضي بالحاضر ، وأبدع مصطفى الشكعة في صياغة مؤلفات خالدة منها “إسلام بلا مذاهب” الذي دعا فيه للوحدة ونبذ الفرقة وكتاب “بديع الزمان الهمذاني رائد القصة العربية” ودراساته المعمقة عن “الإمام الشافعي” و”الإمام أحمد بن حنبل” ، ونظير هذا العطاء الثقافي الثري والخدمات الجليلة التي قدمها للوطن حصل على أوسمة رفيعة منها وسام الجمهورية من الطبقتين الثانية والرابعة وجائزة الدولة التقديرية في الآداب ، وتجلى دوره المجتمعي في رئاسة لجنة التعريف بالإسلام بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية حيث قدم صياغة عصرية للمفاهيم الدينية تخاطب العقل والوجدان ، وتظل سيرة مصطفى الشكعة نبراسا يضيء الطريق للباحثين عن الحقيقة والجمال في تراثنا العربي والإسلامي الأصيل بعيدا عن التشدد أو الانغلاق الفكري.







