«زي النهارده».. رحيل الأب الشرعي للنظام النيابي محمد شريف باشا رائد الدستور

تحل اليوم ذكرى رحيل قامة سياسية وتاريخية كبرى وضعت اللبنات الأولى للحياة النيابية والتشريعية في البلاد وهو محمد شريف باشا الذي وافته المنية في العشرين من شهر أبريل لعام ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين ميلادية ، ويمثل محمد شريف باشا رمزاً للوطنية والنزاهة في تاريخ العمل الحكومي حيث استحق عن جدارة لقب أبو الدستور المصري بفضل جهوده المضنية لتأسيس نظام حكم ديمقراطي يقوم على المؤسسات والقانون ، وولد هذا القائد الفذ في شهر نوفمبر من عام ألف وثمانمائة وستة وعشرين لأب كان يشغل منصب قاضي قضاة البلاد مما منحه نشأة علمية وقانونية رفيعة المستوى منذ صغره ، واستطاع محمد شريف باشا أن يحوز ثقة محمد علي باشا الذي تكفل بتعليمه في مدرسة الخانكة الحربية مع أبناء وأحفاد الأسرة العلوية مما صقل شخصيته القيادية وأعده لمهام جسيمة في مستقبل الوطن ، وتعتبر مسيرته العلمية والعسكرية في أوروبا نقطة تحول كبرى ساهمت في تشكيل رؤيته الإصلاحية والسياسية التي انعكست لاحقاً على بناء الدولة الحديثة.
التكوين العسكري والبعثات العلمية في حياة محمد شريف باشا
شارك محمد شريف باشا في البعثة العلمية الخامسة التي أرسلها محمد علي باشا إلى القارة الأوروبية عام ألف وثمانمائة وأربعة وأربعين ميلادية ليدرس العلوم العسكرية في مدرسة سان سير الفرنسية العريقة ، والتحق محمد شريف باشا بالجيش الفرنسي لاكتساب الخبرة الميدانية قبل أن يعود إلى تراب الوطن ليلتحق بصفوف الجيش المصري تحت قيادة سليمان باشا الفرنساوي مؤسس العسكرية المصرية الحديثة ، ونظراً لكفاءته النادرة واجتهاده في العمل ترقى في المناصب العسكرية بسرعة فائقة حتى وصل إلى رتبة أميرالاي الحرس الخصوصي ثم رتبة الباشوية في عهد الوالي سعيد ، وتوجت علاقاته المهنية والاجتماعية بالزواج من ابنة سليمان باشا الفرنساوي مما عمق من ارتباطه بالنخبة العسكرية والسياسية المؤثرة في القرار الوطني آنذاك ، وصار محمد شريف باشا نموذجاً للمسؤول الميداني الذي يجمع بين الضبط والربط العسكري وبين الحنكة السياسية والقدرة على إدارة الملفات الدبلوماسية المعقدة.
النضال الدستوري وتأسيس البرلمان بجهود محمد شريف باشا
لعب محمد شريف باشا دوراً محورياً في تأسيس مجلس شورى النواب عام ألف وثمانمائة وستة وستين بصفته وزيراً للداخلية حيث كان المحرك الأساسي لخروج هذه التجربة النيابية إلى النور ، وتولى محمد شريف باشا رئاسة مجلس الوزراء أربع مرات في فترات تاريخية حرجة كان يسعى فيها دوماً لترسيخ مبدأ المحاسبة البرلمانية واستقلال الإرادة الوطنية بعيداً عن التدخلات الأجنبية ، وصاغ في عام ألف وثمانمائة وواحد وثمانين اللائحة الأساسية للحياة النيابية ولائحة الانتخابات ليضع حجر الزاوية للديمقراطية المصرية الوليدة التي كانت تطمح لمواكبة الأنظمة السياسية العالمية ، واستمر في نضاله الدستوري حتى بعد رحيل الخديو إسماعيل حيث أصر على تشكيل وزارة دستورية كاملة الصلاحيات أمام الخديو توفيق تعبيراً عن إرادة الشعب ، ويظل اسم محمد شريف باشا محفوراً في ذاكرة الأمة كونه الجد الأكبر للملكة نازلي وزوج ابنة مؤسس الجيش والسياسي الذي رفض التفريط في حقوق البلاد التشريعية والسياسية مهما كانت الضغوط.







