السلطة الفلسطينية تتحمل مسؤولية كبرى بعد حادثة جريمة طوباس التي هزت الرأي العام

تتصاعد حدة الغضب الشعبي في الأراضي المحتلة عقب الواقعة الكارثية التي شهدتها بلدة طمون التابعة لمحافظة طوباس حيث استهدفت الرصاصات الأمنية مركبة مدنية تضم عائلة المطارد سامر سمارة، وتسببت هذه الملاحقة غير المبررة في وقوع فاجعة إنسانية تمثلت في استشهاد طفلين بريئين وإصابة آخرين من بينهم طفلة صغيرة بجروح متفاوتة، وتؤكد هذه الجريمة المروعة انحراف البوصلة الأمنية عن مسارها الوطني الطبيعي في حماية المواطنين وتحصين الجبهة الداخلية من المخاطر، خاصة أن المستهدف هو كادر مقاوم يلاحقه الاحتلال الإسرائيلي منذ فترة طويلة بسبب نشاطه الميداني، وتعتبر حادثة جريمة طوباس طعنة في خاصرة النسيج المجتمعي الفلسطيني الذي يواجه تحديات وجودية كبرى في ظل تصاعد وتيرة الاستيطان والعدوان.
تجاوزت هذه العملية الأمنية كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها وطنيا وأخلاقيا من خلال استهداف الأطفال والنساء بدم بارد تحت ذريعة الملاحقة السياسية، وتشير الوقائع الميدانية إلى أن إطلاق النار الكثيف على سيارة العائلة يعكس استهتارا كاملا بحياة المدنيين العزل وفشلا ذريعا في ضبط الضوابط المهنية للأجهزة، وتأتي هذه الحادثة لتسجل نقطة سوداء جديدة في سجل الانتهاكات التي طالت عائلات المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية، مما يزيد من حالة الاحتقان الشعبي ضد سياسات التنسيق الأمني التي تخدم مصالح الاحتلال بشكل غير مباشر، وتعتبر جريمة طوباس نموذجا صارخا لغياب المحاسبة والشفافية داخل المؤسسات الأمنية التي باتت تنتهج أسلوب الملاحقة والترهيب ضد الحاضنة الشعبية للمقاومة المسلحة.
تداعيات الانهيار الأمني على السلم المجتمعي في الضفة الغربية
تلوح في الأفق بوادر أزمة عميقة تهدد السلم الأهلي نتيجة تكرار هذه العمليات التي تستهدف الكوادر الوطنية وعائلاتهم في مختلف المحافظات الشمالية، وتكشف التقارير الحقوقية الموثقة عن وقوع أكثر من 500 انتهاك صارخ خلال الفترات الماضية شملت عمليات قتل واعتقالات تعسفية ومداهمات ليلية مرعبة، ولقد شهد مخيم جنين خلال شهري ديسمبر 2024 ويناير 2025 أحداثا دموية مماثلة أسفرت عن استشهاد عشرات المواطنين والفتية برصاص فلسطيني، وتؤكد هذه الأرقام المخيفة أن جريمة طوباس ليست حدثا عارضا بل هي جزء من منهجية أمنية تهدف إلى تقويض قوى المقاومة، وإضعاف الروح المعنوية للشعب الفلسطيني الذي يرفض سياسة الخنوع والملاحقة الأمنية التي تتناغم مع أهداف سلطات الاحتلال الصهيوني.
تستوجب الضرورة الوطنية الوقوف بحزم أمام هذه الانتهاكات التي تفتت الوحدة الداخلية وتجعل الساحة الفلسطينية لقمة سائغة لمخططات الضم والتهجير، وحيث إن الصمت على استهداف أطفال المقاومين يمنح الضوء الأخضر لاستمرار التجاوزات القانونية والأخلاقية التي تمارسها الأجهزة الأمنية في الضفة، وتطالب القوى الحية بضرورة تشكيل لجان تحقيق مستقلة لمحاسبة المتورطين في إطلاق النار الذي أدى لوقوع جريمة طوباس النكراء، والعمل على وقف الملاحقات السياسية فورا وإطلاق سراح المعتقلين الذين تم احتجازهم دون مسوغ قانوني، ويمثل استمرار هذا النهج الأمني خيانة للأولويات الاستراتيجية وتفريطا في حقوق الشعب الفلسطيني الذي يواجه أبشع أنواع التطهير العرقي والمصادرة الممنهجة للأراضي في مناطق ج.
مخاطر التنسيق الأمني في ظل تصاعد مشاريع الضم الاستيطاني
تستغل حكومة الاحتلال الانشغال الفلسطيني بالصراعات الداخلية لتسريع عمليات الاستيطان وتوسيع رقعة السيطرة على الأغوار والمناطق الحدودية الحساسة، وفي الوقت الذي تنشغل فيه القوات الأمنية بمطاردة المقاومين وعائلاتهم يقوم المستوطنون بهدم المنازل ومصادرة آلاف الدونمات في نابلس وجنين وطوباس، ويبرز التناقض الصارخ حين تغيب الحماية الأمنية عن القرى الفلسطينية التي تتعرض لهجمات المستوطنين اليومية بينما تظهر القوة العسكرية في مواجهة المقاومين، وتعد جريمة طوباس دليلا إضافيا على غياب الرؤية الوطنية الجامعة لدى القيادة الأمنية التي تصر على ملاحقة السلاح المقاوم، وتترك المواطن الفلسطيني وحيدا في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية التي لم تتوقف عن القتل والتدمير منذ أكتوبر 2023.
تؤدي سياسة الملاحقة الداخلية إلى إضعاف الجبهة الوطنية وتقديم خدمات مجانية للاحتلال الذي يسعى لتفكيك الروابط الاجتماعية والسياسية بين أبناء الشعب الواحد، وحيث إن استهداف المقاومة وعائلاتها هو استهداف للمستقبل الفلسطيني ولخيار الصمود الجماعي في وجه مشاريع التهجير الصامت، ولذلك فإن العودة إلى مربع الوحدة الوطنية وتحصين الصف الداخلي لم يعد ترفا بل ضرورة وجودية لحماية ما تبقى من الأرض والهوية، وتتطلب المرحلة الحالية وقفا فوريا لكل أشكال التنسيق التي تمس حياة المواطنين الأبرياء وتتسبب في وقوع كوارث إنسانية مثل جريمة طوباس التي آلمت القلوب، ويجب أن تتوجه كل الجهود نحو مواجهة العدو المشترك الذي يبتلع الأرض ويهدد الوجود الفلسطيني في كل مكان.







