مقالات وآراء

د. محمد عماد صابر يكتب : الأقصى بين الحريق والتهويد: 56 عامًا من الجريمة المستمرة.

في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1969م، استيقظ العالم الإسلامي على جريمة بشعة هزت وجدانه: حريق المسجد الأقصى المبارك، الذي أقدم عليه اليهودي الأسترالي مايكل دنيس روهان بإشراف وحماية الاحتلال الإسرائيلي. أتى الحريق على أجزاء كبيرة من المسجد، أبرزها منبر صلاح الدين الأيوبي الذي ظل رمزًا للتحرير منذ أن أعاده القائد المسلم إلى القدس عام 1187م【الموسوعة الفلسطينية، مادة “الحريق 1969″】.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الحريق رمزًا لـ المخطط الصهيوني لتهويد القدس وهدم الأقصى، وهو المخطط الذي لم يتوقف حتى اليوم رغم الإدانات الدولية والعربية.

“الحريق وأبعاده السياسية”


الحادثة لم تكن عملاً فرديًا كما حاول الاحتلال الترويج؛ فالجاني أُطلق سراحه لاحقًا بحجة “الجنون” وعاد إلى بلده دون عقوبة، مما كشف عن تواطؤ إسرائيلي رسمي【وكالة وفا الفلسطينية، تقرير 2019】.
أسفر الحريق عن تدمير 1500 متر مربع من المسجد، واحتراق سقف الجناح الشرقي ومنبر صلاح الدين التاريخي【الأوقاف الإسلامية في القدس، تقرير الحريق 1969】.
الحريق أدى إلى انتفاضة إسلامية شعبية تمثلت في احتجاجات واسعة وتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1970م، لتكون ردًا سياسيًا على الجريمة【منظمة التعاون الإسلامي، الوثائق التأسيسية)..

“الانتهاكات المتواصلة”


  • رغم مرور 56 عامًا، فإن الأقصى يتعرض اليوم لسلسلة من الاعتداءات الممنهجة:

    1- الاقتحامات اليومية: زادت أعداد المستوطنين المقتحمين من حوالي 5000 في عام 2009 إلى أكثر من 50 ألفًا سنويًا بعد 2020【مؤسسة القدس الدولية، تقرير 2023.
  • 2- الحفريات: عشرات المشاريع الاستيطانية والأنفاق تحت المسجد الأقصى وبجوار أساساته، أبرزها “حفريات سلوان” و”المدينة اليهودية”، تهدد بانهيار البنية التاريخية للمسجد【هيئة مقاومة الاستيطان، 2022.
  • 3- التقسيم الزماني والمكاني: سعت حكومة الاحتلال منذ عام 2003 لفرض تقسيم شبيه بما جرى في الحرم الإبراهيمي بالخليل، عبر تحديد أوقات للمسلمين وأخرى للمستوطنين【الجزيرة نت، ملف القدس 2021.
  • 4- اعتداءات على المرابطين: مئات الاعتقالات والإبعادات عن الأقصى، وتضييق على النساء المرابطات وحراس المسجد【مركز معلومات وادي حلوة، تقارير 2024)..

“الموقف الدولي والعربي”


المجتمع الدولي: رغم قرارات اليونسكو المتكررة التي تؤكد أن الأقصى “وقف إسلامي خالص” (قرار 2016 مثلًا)، إلا أن غياب آليات التنفيذ جعل الاحتلال يستمر دون رادع【اليونسكو، وثيقة القرار 200 EX/PX】.
الموقف العربي الرسمي: انقسم بين بيانات تنديد شكلية، وبين دول هرولت إلى التطبيع مع الاحتلال منذ “اتفاقيات أبراهام” (2020)، وهو ما أعطى إسرائيل غطاءً سياسيًا للاستمرار في تهويد القدس【مركز الدراسات الفلسطينية، 2022】.
الشعوب الإسلامية: بقيت تتحرك في مسيرات واحتجاجات، إلا أن غياب العمل المنظم على مستوى الأمة جعل التأثير محدودًا.

“البعد العقدي للأقصى”


المسجد الأقصى ليس مجرد بناء حجري، بل هو جزء من العقيدة الإسلامية:


قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:1].
وهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ولا تشد الرحال إلا إليه مع المسجد الحرام والمسجد النبوي【البخاري، صحيح البخاري، كتاب الحج】.
بالتالي فإن الدفاع عنه واجب شرعي على الأمة كلها، وليس خيارًا سياسيًا أو تضامنًا إنسانيًا.

“السيناريوهات المستقبلية”


  • 1- الاستمرار في التهويد: إذا استمر الصمت العربي والإسلامي، قد يصل الاحتلال إلى فرض تقسيم كامل أو حتى الإقدام على هدم المسجد لإقامة “الهيكل” المزعوم.
  • 2- انتفاضة شعبية جديدة: أي اعتداء كبير (مثل هدم أو حريق جديد) قد يفجر انتفاضة فلسطينية واسعة، بل وحرب إقليمية.
  • 3- استنهاض الأمة: الوعي الشعبي المتزايد وخطاب المقاومة يمكن أن يحول قضية الأقصى إلى معركة مصيرية تعيد رسم خريطة الصراع.

ختاما: 56 عامًا مضت على الحريق، لكن الأقصى ما زال يحترق يوميًا بالاقتحامات والتهويد والحفريات. الخطر لم يعد نظريًا، بل بات واقعيًا يهدد المسجد وجوديًا.


إن السكوت على ما يجري في الأقصى خيانة للعقيدة والتاريخ والهوية.
وإذا كانت النار التي أحرقت المنبر عام 1969 قد وحدت الأمة وقتها، فإن واجب اللحظة اليوم أن تعود الأمة لتوحيد صفوفها في معركة الدفاع عن مقدساتها، وإلا فإن التاريخ سيكتب أننا رأينا الأقصى يهدم ونحن صامتون.

المراجع:
الموسوعة الفلسطينية – مادة “حريق الأقصى 1969”.
وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، تقرير 21/8/2019.
الأوقاف الإسلامية في القدس، تقرير رسمي حول الحريق 1969.
منظمة التعاون الإسلامي، الوثائق التأسيسية.
مؤسسة القدس الدولية، تقرير الانتهاكات 2023.
هيئة مقاومة الاستيطان، تقرير 2022.
اليونسكو، وثيقة القرار 200 EX/PX، 2016.
صحيح البخاري، كتاب الحج.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى