
خلال الأيام القليلة الماضية، أحدثت مبادرة البرلماني السابق ورئيس منتدى البرلمانيين المصريين في الخارج، الدكتور محمد عماد صابر تحت عنوان “بيان حول التفاهم مع الدولة المصرية” إلى جانب تصريحات الدكتور أيمن نور رئيس حزب غد الثورة في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط ضجّة واسعة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي،
التقت المبادرة والتصريحات في توقيت واحد تقريبًا لتفتحا بابًا للجدل بين مؤيد يرى فيهما محاولة جادة لكسر الجمود السياسي ورافض لم يجد أسهل من سلاح التخوين والتشكيك في النوايا
اللافت أن الجدل لم يتجه لمناقشة جوهر الطرح بقدر ما انشغل كثيرون بالطعن في نوايا أصحابه وتوجيه الاتهامات التي لا تمت إلى الواقع بصلة، وهي الظاهرة التي باتت للأسف راسخة في مشهدنا العام، فكل مبادرة أو فكرة قبل أن تُمحّص تُواجه بوابل من الاتهامات والتشويه وكأننا أمام قاعدة غريبة:
“من يجرؤ على طرح الحلول فليتحمّل سهام التخوين.”
من يكتب مبادرة أو يقدم رؤية يجد نفسه سريعًا أمام هجوم شرس، سباب وقدح في النوايا واتهامات مجانية وسيناريوهات خيالية ينسجها البعض ليظهر بمظهر “المحلل الخبير” الذي اكتشف ما لم يكتشفه غيره، تركوا القول وركزوا في القائل، وهذا من الظلم والإجحاف أن يُهاجم صاحب الطرح بناء على انطباعات شخصية مسبقة دون مناقشة فكرته، فمن حق كل إنسان أن يدلي بدلوه ويناقش بوعي فكري لا بانفعال وجداني.
المبادرة والتصريحات معًا أطلقتا موجة واسعة من التشكيك والتخوين، لم تقتصر على منصات التواصل بل انسحبت إلى النقاشات الخاصة، فهناك من ذهب إلى اتهام أصحابها بالسعي وراء “الشو” أو تصفية حسابات قديمة، وآخرون رأوا فيها مجرد محاولة لكسب مساحة إعلامية، بينما غابت بشكل شبه كامل مناقشة الأفكار المطروحة ذاتها، وكأن الأصل في أي مبادرة أو تصريح سياسي أن تُستقبل بالاتهام لا بالنقاش، وأن يُحاكم صاحبها على نواياه لا على ما قدمه من مضمون.
“الخطير في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بانتقاد المبادرة، بل تسعى لاغتيال صاحبها معنويًا، وهكذا نخسر مرتين: نخسر الفكرة ونخسر صاحبها.”
تاريخيًا لم تتطور أي أمة أو مجتمع إلا بفضل تعدد الآراء وتلاقح الأفكار، الاختلاف كان دائمًا محرّكًا أساسيًا للتقدم، بينما الإقصاء والاتهام والتخوين لم يُنتج إلا فراغًا وفكرًا أحاديًا عقيمًا.
وفي هذا السياق قدّم د. أيمن نور تصورًا عمليًا لتجاوز حالة الانغلاق، داعيًا إلى حوار وطني يمتد عامًا واحدًا عبر ثلاث مراحل قانونية تعالج أزمة المعتقلين وتضع أسسًا للتفاهم، مؤكدًا أن أي انفراجة سياسية ستنعكس مباشرة على الاقتصاد المأزوم والأوضاع الاجتماعية المتدهورة، وحذّر من أن استمرار الانسداد قد يدفع الشارع نحو خيارات أكثر تطرفًا، في ظل خطاب عام بدأ يتحدث عن “الحل على الطريقة السورية”، وهو تصور خاطئ لكنه يعكس حالة يأس حقيقية.
فمن الإنصاف أن نميز بين نوعين، هناك من يطرح رؤية أو مبادرة بدافع البحث عن حل أو المساهمة في حلحلة المشهد، وهؤلاء حتى لو اختلفنا معهم في التفاصيل يستحقون الاحترام والتقدير لأنهم على الأقل قرروا أن يفكروا بصوت عالٍ، وفي المقابل هناك من يسوّق للباطل أو يطبّل للظلم، وهؤلاء معروفون ولا يخفون على أحد.
لكن المعضلة الكبرى أن كلا الفريقين أصبح يُلقى في سلة واحدة ويتم التعامل معهما بنفس منطق التخوين والإقصاء، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ تتحول ساحة النقاش إلى أرض محروقة يخشى فيها أي شخص أن يطرح فكرة خشية الهجوم.
“عندما يصبح النقاش العام قائمًا على التخوين بدلًا من النقد، تتحول الساحة إلى صحراء جرداء لا تسمع فيها سوى صوت واحد.”
عندما يصبح النقاش العام قائمًا على التخوين بدلًا من النقد، يتحول المجتمع إلى ساحة بلا بدائل ولا منافسين، هذا الصوت – أيًا كان – يفتقد حينها لآلية المراجعة والمحاسبة لأنه ببساطة لا يجد من يناقشه أو يعارضه بموضوعية.
النتيجة أن المجتمع يفقد أهم أدواته في صناعة التغيير، التفكير الحر وتداول الآراء، فإذا كنا نغتال كل محاولة للتفكير المختلف ونحاكم النوايا بدلًا من مناقشة الأفكار، فكيف يمكن أن نتوقع حلولًا حقيقية لأزماتنا؟.
لذلك فإن النقد الموضوعي لأي مبادرة أمر ضروري وصحي بل ومطلوب، لكن النقد شيء والتخوين شيء آخر تمامًا، الأولى تبني العقول وتفتح بابًا للحوار، بينما الثانية تهدم كل شيء وتغلق الأبواب في وجه أي محاولة للتغيير.
ولعل ما يجمع بين مبادرة د. محمد عماد صابر ورؤية د. أيمن نور أنهما مثالان حيّان على أن الحل يبدأ من الحوار والانفتاح لا من الإقصاء والتخوين، فالمجتمعات لا تنهض بإسكات الأصوات وإنما بفتح المساحة أمامها لتتصارع الأفكار فيبقى الأصلح ويسقط ما عداه.
“الأمم لا تُبنى بالصوت الواحد ولا تُدار بالشك المستمر في النوايا، وإنما تُبنى بالحوار وتعدد الرؤى.”
وختاماً، لا يمكن لمجتمع يسعى للنهوض أن يظل أسيرًا لثقافة التخوين والاتهام، فالأمم لا تُبنى بالصوت الواحد ولا تُدار بالشك المستمر في النوايا، وإنما تُبنى بالحوار وتعدد الرؤى وقدرة المختلفين على الجلوس حول مائدة واحدة، وإذا كانت مبادرة د. محمد عماد صابر ورؤية د. أيمن نور قد أثارتا هذا الجدل العاصف، فربما تكون قيمتهما الحقيقية في أنهما أعادتا طرح السؤال الأهم، هل نملك الشجاعة لنمنح الأفكار حقها في النقاش قبل أن نصدر ضدها أحكام الإعدام المعنوي؟!