مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: بين ميراث العدل وواقع الحكم

حين يُطلب مني أن أكتب عن السيسي، يقف القلم في يدي حائرًا، لا عجزًا عن الوصف، بل حرصًا على مشاعر القارئ الكريم.

لذا سأكتب عن صفات لا يمتلكها، ولن يمتلكها، لأنها تُختَزَل في سيرة رجلٍ صنع العدل أسطورةً خالدة هو الفاروق عمر بن الخطاب .

ذات يوم، جلس الفاروق مع عُمَّاله في نهاية العام، وخطب في الناس قائلًا:
” إني لم أبعث عُمَّالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، ولا من أعراضكم.

إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، ويقسموا فيئكم بينكم.
فمن فُعِل به غير ذلك فليقم.”

فقام رجلٌ يشكو أن عاملاً ضربه، فأمر عمر بضرب الجاني، لكن الرجل افتدى نفسه بمئتي درهم.

وفي عام الرمادة، حين اجتاح الجوع البلاد، كان عمر يلبس الثوب المرقع، ويأكل الخبز اليابس، ويقول: “كيف أتشبع والناس جياع؟”.

حتى إن مبعوث ملك الروم سأل عن قصر الخليفة، فدُلَّ على رجلٍ نائم تحت شجرة، فقال في ذهول:
” حكمت فعدلت، فأمنت فنمت”.

كان عمر زاهدًا في الدنيا، صبورًا في الشدائد، شديدًا في الدين، متواضعًا في السلطة، يقبل الحق ويرجع إليه، ويخشى الله حتى في ظلّ أعظم أمجاد الفتوحات.

كان يرفض المدح، ويقول لابنته حين مدحته: “لا صبر لي على ما أسمع”.

كان كريمًا بشجاعة، حليمًا بحكمة، ورعًا بتقوى، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين سيد وعبده.

أين حكام اليوم من هذه الصفات؟
أين هم من زهد عمر وعدله؟
أين هم من تواضعه وخوفه من حساب الله؟
أين هم من شجاعته في الحق ورفضه للظلم؟

في ظل حكمهم الأسود، ضاعت الأمة بين قسوة السلطة وصمت الضمير.

أصبح الحاكم سيدًا لا خادمًا، ومتوجًا لا رفيقًا، وبعيدًا لا قريبًا.

لكن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى.

فكما قال عمر:
” اللهَ اللهَ في الرعية… فإنهم إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق.”

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى