
سيناء في مرمى الخطر
في لغة تنبض بالغضب والغيرة الوطنية، نُطلق اليوم تحذيرًا صارخًا إلى الشعب المصري العظيم: سيناء تواجه خطر احتلال وشيك. هناك سلسلة من الخطوات الممنهجة تم تنفيذها بدقة على مدار 13 عامًا، في ما يبدو أنه خطة جهنمية مدبرة لإخلاء الطريق أمام سيطرة أجنبية على شبه جزيرة سيناء. هذه التحركات لم تأتِ مصادفة؛ بل تكاملت لتشكل تهديدًا خطيرًا للأمن القومي ووحدة تراب مصر. لقد آن الأوان لقرع أجراس الإنذار والتصدي بكل حزم لمحاولة انتزاع قطعة غالية من أرض الوطن.
خطوات تمهيدية مشبوهة خلال 13 عامًا
على امتداد أكثر من عقد، يمكن رصد سلسلة من الإجراءات غير المسبوقة في سيناء ومحيطها، يتضح اليوم أنها كانت أجزاء متراكبة من مخطط واسع. فيما يلي أبرز هذه الخطوات:
• تهجير سكان سيناء قسرًا: شهدت مناطق واسعة من شمال سيناء عمليات إخلاء وتهجير جماعي للأهالي تحت ذريعة إقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة. منذ 2013، دُمِّرت آلاف المنازل في مدينة رفح وقراها الحدودية، ما أدى إلى تشريد عشرات الآلاف من المواطنين  . لقد مُسحت بلدات بأكملها من الخريطة، وتعرضت مزارع زيتون ونخيل عمرها عقود للتجريف . هذه الخطوة جرّدت سيناء من عمقها السكاني الذي طالما كان خط الدفاع الأول عن الأرض، وجعلت مساحات شاسعة منها خالية من المدنيين يسهل السيطرة عليها.
• إغراق أنفاق غزة الحدودية: بالتوازي مع تهجير السكان، عملت السلطات على إغراق أنفاق التهريب الواصلة بين رفح المصرية وقطاع غزة بالمياه، في حملة غير مسبوقة للقضاء على شبكات الأنفاق. هذه الأنفاق التي استخدمت لسنوات كمتنفس إنساني وتجاري لغزة المحاصرة، تم تدمير معظمها بضخ مياه البحر ومياه الصرف الصحي . وبذلك قُطعت شرايين الاتصال التاريخية بين سيناء وغزة، مما أحكم العزلة على القطاع وأزال عقبة أخرى أمام إحكام السيطرة الأمنية الكاملة على الحدود الشرقية.
• مشروع سحارات سرابيوم: وهو مشروع نقل مياه النيل إلى سيناء عبر أنفاق ضخمة أسفل قناة السويس. رسميا، جرى الترويج له كإنجاز هندسي لتنمية أرض الفيروز وتوفير مياه الري لنحو 100 ألف فدان . لكن هذا المشروع أثار قلقًا كبيرًا في الشارع المصري منذ الكشف عنه، حيث اعتبره خبراء جزءًا من خطة مريبة لنقل مياه النيل إلى الأراضي المحتلة بدلًا من خدمة التنمية المحلية  . بالفعل، أكد محللون أن هذه السحارات قد تكون مقدمة لتوصيل المياه إلى صحراء النقب في فلسطين المحتلة ضمن ما يسمى “صفقة القرن” . لا سيما وأن ترعة السلام المرتبطة بالسحارات وصلت فعليًا إلى مسافة 100 كم فقط من حدود إسرائيل . إن تحويل مسار مياه النيل خارج الحدود بهذا الشكل يُنذر بخطر جسيم على حقوق مصر المائية، وقد يكون ثمنا خفيا لتفاهمات إقليمية على حساب سيادتنا .
• ازدواج قناة السويس: في عام 2015 افتُتِح تفريع جديد لقناة السويس بطول 35 كم كممر موازٍ للقناة الأصلية . ورغم الدعاية الرسمية التي هلّلت للمشروع على أنه قفزة تنموية، فإن الواقع كشف أن العوائد الاقتصادية جاءت دون التوقعات، بينما تحمّل الاقتصاد المصري تكلفة باهظة تجاوزت 8 مليارات دولار  . هذا الازدواج عزز الفصل المادي بين سيناء وبقية مصر عبر توسيع الممر المائي، محولًا شبه الجزيرة فعليًا إلى جزيرة معزولة. وبقدر ما سهّل حركة التجارة الدولية ظاهريًا، فإنه في المقابل سهّل حركة القوات البحرية الأجنبية وخلق ذريعة مستمرة لتواجد عسكري أجنبي “لحماية الملاحة”، بما قد يمهد لتدويل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.
• التنازل عن تيران وصنافير: في خطوة صادمة عام 2016–2017، تنازلت مصر عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية . حدث ذلك بموجب اتفاقية ترسيم حدود أثارت غضبًا شعبيًا عارمًا، إذ اعتبر المصريون هذه الجزر جزءًا لا يتجزأ من أرضهم منذ القرن الماضي. ورغم صدور حكم قضائي ببطلان التنازل، أصرّت السلطات على تمرير الاتفاق في البرلمان وسط اعتراضات نادرة من بعض النواب الذين وصفوا ذلك اليوم بأنه “يوم أسود فقدت فيه الأمة جزءًا من أرضها” . تسليم تيران وصنافير أضعف السيطرة المصرية على مضيق تيران الحيوي، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في خليج العقبة قد تخدم مصالح إسرائيل الجيوسياسية. فهذه الجزر تتحكم بمداخل البحر الأحمر الشمالية، والتفريط بها -مهما قُدم من مبررات- يعتبر تفريطًا في درع استراتيجي مهم كان يؤمّن خاصرة سيناء الجنوبية.
• امتيازات طويلة الأجل لشركات إماراتية في مداخل القناة: خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا منذ 2022، منحت الحكومة المصرية سلسلة عقود امتياز وتجارية طويلة الأجل لشركات موانئ إماراتية في مواقع بالغة الحساسية على البحرين الأحمر والمتوسط. فقد حصلت شركة “أبو ظبي للموانئ” (AD Ports) مثلًا على عقد امتياز لمدة 50 عامًا لإدارة منطقة لوجستية ضخمة في ميناء شرق بورسعيد عند المدخل الشمالي لقناة السويس  . كما تولّت شركات إماراتية تشغيل محطات بحرية في ميناء العين السخنة (المدخل الجنوبي للقناة) وموانئ أخرى بالبحر الأحمر لمدة تصل إلى 30 عامًا  . هذه الصفقات وُقّعت بموجب نسب مشاركة مجحفة (تحصل مصر أحيانًا على 15% فقط من العائدات )، ما أثار مخاوف عميقة لدى الخبراء من تغلغل نفوذ خارجي في شريان مصر الملاحي. إن سيطرة الشركات الإماراتية على سلسلة موانئ مصرية من الإسكندرية شمالًا إلى سفاجا جنوبًا   تعني عمليًا أن مداخل قناة السويس باتت في قبضة غير مصرية لفترات ممتدة، مما يهدد السيادة الوطنية على هذا الممر ويقوض قدرة القاهرة على إدارة أمنها البحري باستقلالية.
• مشاريع بنية تحتية تربط سيناء: ضخّت الدولة مليارات الجنيهات في مشروعات بنى تحتية كبرى داخل سيناء ومحيطها خلال العقد الأخير، بدعوى تحقيق التنمية وربط شبه الجزيرة بالوادي والدلتا. من ذلك حفر أنفاق عملاقة تحت قناة السويس لمرور السيارات والقطارات. ففي عام 2019 وحده افتُتحت 4 أنفاق جديدة تربط سيناء بالبر المصري (اثنان في الإسماعيلية واثنان في بورسعيد) ، تلاها افتتاح نفق أحمد حمدي 2 عام 2021 ليصبح مجموع الأنفاق الحديثة ستة. هذه الأنفاق، مع سلسلة جسور علوية، اختصرت المسافات ويسّرت حركة القوات والمعدات بين سيناء وبقية الجمهورية بشكل غير مسبوق. كما دشنت الحكومة مشروع القطار الكهربائي السريع الذي يمتد من ساحل البحر الأحمر إلى المتوسط، ومشاريع طرق رئيسية داخل سيناء بطول مئات الكيلومترات  . الظاهر أن كل ذلك لتعمير سيناء، لكن توقيته وأهدافه الفعلية تثير التساؤلات: هل يُراد بهذه البنية التحتية تسهيل نقل السكان الفلسطينيين إليها ضمن مخطط التهجير القسري؟ أم تأمين خطوط لوجستية لقوات أجنبية قد تدخل عبر منافذ وموانئ مُدارة خارجيا؟ إن ازدواجية الاستخدام قائمة، والتحسب واجب.
• تصريحات إسرائيلية عن “إسرائيل الكبرى” وضم سيناء: لم تُخفَ النيات الصهيونية تجاه سيناء يومًا، لكن الجديد هو الجهر بها علنًا على أعلى المستويات في السنوات الأخيرة. ففي تصريح صادم عام 2024، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأييده الصريح لرؤية “إسرائيل الكبرى” التي تشمل – من ضمن ما تشمل – سيناء حتى الضفة الشرقية لنهر النيل . وأمام عدسات التلفزيون، لم يتردد في الإعراب عن ارتباطه العاطفي بهذه الخريطة التوراتية التوسعية. هذا الموقف أثار غضبًا رسميًا في القاهرة واستدعى طلب توضيحات عاجلة ، لكنه في الحقيقة كشف المستور: رأس السلطة في تل أبيب يؤمن بعقيدة ضم أراضي الدول المجاورة عند أول فرصة سانحة. الأخطر من ذلك، صدرت عن بعض السياسيين الإسرائيليين دعوات صريحة لإعادة احتلال سيناء أو أجزاء منها كحل لمعضلة غزة، عبر توطين سكان القطاع في أراضي شمال سيناء بالقوة . هذه الطروحات المجنونة لم تعد هامشية، بل تتداولها دوائر صنع القرار الإسرائيلي في خضم الحرب على غزة، كخيار “أمني” لإزالة غزة من جوار إسرائيل. إنها أحلام صهيونية تتجرأ لتصبح خططًا قد تُفرض على الأرض ما لم نتحرك لإجهاضها.
خيوط المؤامرة: نحو احتلال بلا حرب
عند جمع هذه الخطوات معًا، تتكشف أمامنا صورة مرعبة لمخطط متكامل نفِّذ بصبر وإصرار. تهجير السكان أفرغ الميدان من أية مقاومة مدنية محتملة. عزل غزة تمامًا بوسائل مادية (إغراق الأنفاق وإحكام الحصار) حرم سيناء من عمقها الفلسطيني وسهّل أي تحرك عسكري دون خشية التفاف أو إمداد شعبي من الجوار. تمهيد الأرض بالمياه والبنية التحتية جعل سيناء مهيأة لاستيعاب مستوطنين أو نازحين جدد تحت حماية قوة عسكرية. إضعاف قبضة مصر على مداخل سيناء ومخارجها – سواء عبر تدويل موانئها أو التخلي عن جزر استراتيجية – فتح المجال لتدخل قوى إقليمية بحجة الاستثمار تارة وحفظ الأمن تارة أخرى. وأخيرًا، الإعلان الإسرائيلي الوقح عن الأطماع التاريخية يشكل تمهيدًا نفسيًا وسياسيًا لفعل العدوان نفسه.
ليس من قبيل المصادفة أن تشتعل الفوضى المصطنعة في شمال سيناء طيلة هذه السنوات، عبر حرب مفتوحة مع جماعات إرهابية غامضة الولاءات. لقد استُنزف الجيش المصري هناك ضد عدو شبحي، فيما بقيت إسرائيل بمأمن تراقب وتستفيد. وها نحن نرى اليوم كيف يُستغل ظرف الحرب على غزة ومحاولة دفع أهلها للنزوح باتجاه سيناء، كفصل أخير في الخطة الجهنمية. إن خلق الذريعة هو كل ما تبقى: فإذا واصلت سيناء اضطرابها الأمني أو دفعت أعداد كبيرة من اللاجئين إليها، فقد يباغتنا العدو بحجة “التدخل لحماية حدوده ومنع الإرهاب” أو “إنقاذ الوضع الإنساني”. ولا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن الاحتلال قد يحدث بلا حرب نظامية هذه المرة، بل تحت راية الأمم المتحدة أو تحالف دولي يستغل حالة الفوضى. وقد بدأت بالفعل بوادر تلميح بهذا الاتجاه، إذ اعترضت إسرائيل مؤخرا على أي تعزيز مصري لقواتنا بسيناء حتى في سياق تأمين الحدود أثناء حرب غزة، واعتبرت ذلك “انتهاكًا لمعاهدة السلام” . أي وقاحة هذه التي تسمح للعدو بتحديد حجم قواتنا على أرضنا بينما يعبث هو بمستقبل المنطقة؟
خطة طوارئ وطنية من لوبي ENABLE
في مواجهة هذا السيناريو الكارثي، لا يملك الشرفاء من أبناء مصر سوى التحرك العاجل والفوري على كافة المستويات. إننا في لوبي ENABLE (التجمع المصري من أجل البناء والتحرير والتمكين) ندق ناقوس الخطر ونطرح خطة طوارئ وطنية لإنقاذ سيناء والحفاظ على سيادة مصر. تتضمن هذه الخطة المحاور التالية:
• المطالبة بالشفافية الكاملة والمصارحة الشعبية: لا بد أن تصارح القيادة الشعب بحقيقة ما يجري في سيناء وما دار في الكواليس خلال السنوات الماضية. المعلومات حق للشعب، ومن دون شفافية سنظل لعبة في أيدي المخططات الخفية. يجب الكشف عن أي اتفاقات أمنية أو تفاهمات سرية تتعلق بسيناء، ومصارحة المصريين بحقيقة الدور الإسرائيلي والإقليمي في ما حصل.
• مراجعة فورية لعقود الامتياز والمشاريع المشبوهة: على الدولة المصرية إعادة تقييم كل الاتفاقيات الاقتصادية التي ترتبت عليها هيمنة أجنبية على أصولنا الاستراتيجية – بدءًا من عقود إدارة الموانئ مع الشركات الإماراتية وصولًا لمشروع سحارات سرابيوم. لا يجوز قانونًا ولا وطنيًا منح أطراف خارجية موطئ قدم بهذا العمق في أراضينا ومرافقنا الحيوية لمدد نصف قرنية. سنسعى عبر القضاء لوقف أي عقد ينتقص من السيادة أو يهدد الأمن القومي، وإعادة تلك الأصول إلى السيطرة الوطنية أو وضعها تحت رقابة مصرية صارمة.
• تحرك قانوني ودبلوماسي دولي: سيعمل لوبي ENABLE بالتنسيق مع الجاليات المصرية الوطنية في الخارج على رفع القضية إلى المحافل الدولية. سنخاطب الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وكل المنظمات الإقليمية، موثقين التجاوزات الإسرائيلية والتدخلات السافرة التي تهدد سلامة أراضينا. كما سنفضح أي ترتيبات غير شرعية لنقل سكان غزة إلى سيناء بوصفها جريمة تهجير قسري ترقى لمستوى التطهير العرقي. الملف القانوني جاهز وسنستعين بخبراء القانون الدولي لوقف أي مخطط احتلال تحت غطاء “التدخل الإنساني” المزعوم.
• فرض رقابة مصرية مستقلة على الموارد الحيوية: نطالب بإنشاء هيئة رقابة وطنية مستقلة تشرف على كل ما يتعلق بمصادر المياه والمعابر الحدودية بسيناء. هذه الهيئة يجب أن تضم خبراء موثوقين وممثلين عن المجتمع المدني، وتملك صلاحيات مراقبة مشاريع نقل المياه (كسحارات سرابيوم) لضمان عدم تحويل قطرة ماء خارج أرض مصر إلا بعلم ورقابة المصريين. كما تشرف على منافذ سيناء البرية والبحرية لضبط أي تحركات مريبة. لن نسمح بأن تُستخدم مواردنا ومنافذنا لتمرير مخطط خبيث وراء ظهر الأمة.
نداء من القلب: سيناء أمانة في أعناقنا
أيها المصريون الشرفاء في كل مكان، إن الوطن يناديكم اليوم للدفاع عن سيناء الحبيبة. الخطر داهم والأمانة عظيمة. لا مجال للصمت أو التهاون بعد الآن؛ فصفحات التاريخ تُكتَب الآن، وستذكر من خان ومن أدى الواجب. فلنقف صفًا واحدًا، جيشًا وشعبًا، في مواجهة المؤامرة. نوجه هذا النداء لكل مصري ومصرية: ارفعوا الصوت عاليًا ضد التفريط في الأرض، اضغطوا بكل وسيلة سلمية مشروعة لوقف النزيف وإفشال المخطط قبل فوات الأوان. سيناء كانت عبر التاريخ مقبرة للغزاة، ولن تكون أبدًا مُلكًا لسواكم. هذه لحظة للوحدة الوطنية تتلاشى فيها الخلافات، ويعلو فقط صوت الحق والسيادة.
مصير سيناء يُصاغ اليوم؛ فإما أن نحميها ونورثها لأبنائنا حرة مصرية كما ورثناها، وإما – لا قدر الله – نتركها فريسة لمحتل غاشم في ثوب جديد. لن نسمح بذلك أبدًا. عهدا علينا أن نبذل الغالي والنفيس دفاعًا عن كل حفنة رمل من أرض الفيروز. اللهم إني بلغت.. اللهم فاشهد. عاشت مصر أبيّة عزيزة، والخزي والعار لمن يفرّط في أرضها أو يخذلها في ساعة المحنة.
صورة تُظهر سيناء كجزء من إسرائيل—على نمط ما روج له وزير التراث الإسرائيلي أميحاي إلياهو عند مشاركته تغريدة تضمّ خريطة طويلة الأذيال تتضمن الضفة الغربية وغزة وسيناء، مع شعار “Occupation Now”
