من بغداد إلى غزة.. كيف يلاحق شبح الإبادة توني بلير؟

ظل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير شخصية مثيرة للجدل في السياسة الدولية، إذ انتهج خطًا براغماتيًا اختلط فيه الميل إلى “يسار الوسط” بالانفتاح على سياسات السوق الحرة، ليقدّم نفسه كزعيم “الطريق الثالث” بين الاشتراكية والرأسمالية.
لكن إرثه السياسي ارتبط أكثر من أي شيء آخر بمغامراته الخارجية، وفي مقدمتها الحرب على العراق عام 2003.
إرث العراق والاتهامات بالدمار
إصرار بلير على مزاعم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، دون تقديم أدلة، شكّل المبرر الرئيسي للغزو الأميركي – البريطاني للعراق.
وبرغم عدم العثور على أي برنامج فعلي للأسلحة، ظل بلير مدافعًا عن قرار الحرب، ليُوصم لاحقًا من قبل الإعلام البريطاني بلقب “كلب بوش المدلل”.
ورغم الإنجازات الاقتصادية التي تحققت في عهده مثل انخفاض البطالة والإصلاحات في الخدمات العامة، فإن البريطانيين لم يغفروا له توريط بلادهم في حرب أودت بحياة 150 جنديًا بريطانيًا وآلاف العراقيين.
سياسات خارجية مثيرة للجدل
خلال عقده في الحكم (1997-2007)، دعم بلير التدخلات العسكرية في كوسوفو وسيراليون، ووقف بقوة إلى جانب واشنطن في حرب أفغانستان بعد 2001، ثم في حرب لبنان عام 2006، كما دعم عزل حركة حماس بعد فوزها بالانتخابات الفلسطينية.
هذا الانحياز المطلق للسياسات الأميركية ظل سمة أساسية لسياسته.
من السلطة إلى الوساطة المثيرة للشبهات
بعد استقالته في 2007 تحت ضغط تراجع شعبيته وخلافه مع غوردون براون، كوفئ بلير بتعيينه مبعوثًا للجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط، لكنه فشل في إحداث أي اختراق حقيقي.
واليوم، يعود اسمه مجددًا إلى صدارة الأخبار، مع الحرب الإسرائيلية على غزة.
فقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أنه عقد لقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لبحث “اليوم التالي” للحرب، ودور محتمل له في تمرير رؤية تتعلق بتهجير الفلسطينيين من غزة وربطها بمشروع أطلق عليه اسم “ريفيرا غزة”.
كما شارك مؤخرًا في اجتماع ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالبيت الأبيض، حضره صهره جاريد كوشنر ومسؤولون إسرائيليون.
من بغداد إلى غزة.. “الجرائم لا تسقط بالتقادم”
يرى حقوقيون أن تورط بلير المحتمل في سيناريوهات تهجير الفلسطينيين يُضاف إلى سجله في العراق، ويضعه في دائرة الاتهام أمام المحاكم الدولية.
وكما لم ينجُ الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون من وصمة “ووترغيت”، يعتقد مراقبون أن بلير سيبقى رهينة “لعنة العراق”، وأنه اليوم يواجه أشباح بغداد وصرخات غزة معًا.
وبينما يواصل بلير الظهور كخطيب بارع يحاول تبرير خياراته، يرى معارضوه أن براعته البلاغية لم تعد تكفي للهروب من قفص الاتهام، وأن مسيرته ستظل مرادفًا لـ”حروب غير مبررة” و”تحالف أعمى مع واشنطن”.