
لا أعرف لماذا وكيف يتلاقى إعلام السلطة – ولجانه الإلكترونية – مع بعض من يدّعون أنهم خصوم السلطة ومعارضيها، وكيف يلتقون على هدفٍ واحد هو: التهام كل اجتهاد يستند إلى العقل وإلى الحكمة وإلى دروس التاريخ. مشهدٌ يبعث على الأسى والسخرية معًا.
خصمان يتنازعان كل شيء، ثم يتعانقان على ركام الحقيقة في مسابقةٍ بائسة من العنف والمزايدة الرخيصة والإرهاب الفكري وطقوس التسفل والاختلاق والافتراء. فريقان يرتدون أقنعة مختلفة لكنهم يصوبون تجاه شبكة واحدة!
هذا المشترك الفجّ بين الفريقين لا يغويني إلى الردّ على هؤلاء أو هؤلاء. لأن الردّ عندي قيمةٌ لا ردّة فعل. معيارٌ لا عاطفة. ميزانٌ لا انفعال. حوارٌ لا ردح. احترامٌ لا ابتذال. مشروعٌ لا معارك صبيان.
أدمنت ضوابط لا أحيد عنها، واشتراطات لا أقبل بدونها، في الدخول في حوار أو الرد على الأكاذيب والافتراءات. علّمتني بعضها الحياة، ولقّنني معظمها أبي الروحي فؤاد سراج الدين. وهذه الضوابط هي:
أولًا
– أن يكون الحوار حوارًا يستحق اسمَه؛ لا سبابًا، لا قذفًا، لا ادّعاءً بلا بينة، لا توحّمًا على لحم الآخر، ولا مجرد مزايدةً رخيصة لإرضاء راعٍ، أو لاسترضاء غرور مفتون بنفسه.
ثانيًا
– أن يكون الحوار بين أنداد يتكافأون وزنًا ومعنى؛ لا غلمان يجرّونك إلى حاراتٍ ضيقة، في دهاليز وتعليقات السوشيال ميديا، ولا صبيان يفتعلون “معارك فرعية” للشهرة أو لتأجيل المعركة الأمّ، معركة الحرية.
ثالثًا
– أن يكون هناك موضوع يرقى إلى مقام الحوار؛ لا ضوضاء إلكترونية تُسفّه المعاني وتستبيح الكرامة الإنسانية، وتنقل ساحة المعركة من الأصول إلى الفروع.
لدي هنا تجربة قديمة قد تُضيء للقارئ مبررات هذا الشرط. فمنذ عشرين عامًا، وجّهت دعوة علنية لمناظرةٍ رئاسية مع الرئيس #مبارك في انتخابات 2005، الرجل لم يرد، لكن الرد جاءني متدحرجًا من أفواه السبّابين وكتّاب الهوامش من رجالاته وأذرعه الإعلامية.
اتخذت قرارًا واعيًا وقتها وللان هو عدم الانزلاق إلى لعبة الأحجار الصغيرة. فكنت وما زلت أؤمن أن مشروع الإصلاح أكبر من ملاكمة الظلال أو الصغار. اسم واحد كان وقتها العنوان لي: مبارك الأب وربما الابن. فلم تجرّني لغة الشتيمة إلى تخومها وهوامشها الضيقة.
تعلمت من فؤاد سراج الدين درس الارتفاع لا السقوط: انفعال واحد في غير محله كفيل بتحويل النسر إلى دجاجة تنقر ريشها. فبطولة زائفة أن تردَّ على كل صفير، وحكمة حقيقية أن تحافظ على علوك.
الردّ الذي يُنقصك قيمة ليس ردًّا؛ الردّ الذي يرفع المعنى هو وحده الجدير أن يُكتب ويُشعر ويُشهد عليه.
مثلًا… فؤاد باشا سراج الدين، ظل يرتدي ثوب الحكمة والعقل، لم يغيّر قناعاته، لم يبدّل منهجه الذي تعلمه من أستاذه #مصطفى_النحاس. ظل الرجل صامدًا قرابة ثلاثين عامًا أو يزيد، حتى عاد للحياة السياسية شامخًا بقيمته ومنهجه.
ثلاثون عامًا تعرّض خلالها لكل صنوف التنكيل والاعتقال والتأميم والتشويه. لكن عزيمته لم تلن، وإيمانه بقيمه لم يتغير.
تعلمت من أربعين عامًا في الحياة السياسية أن الصبر لا يعني السكون، فهو انتظارٌ مدروس. حتى يظنّ الخصم أن الصمت موت، فيُخرج أسوأ ما عنده؛ ثم يجيء الردّ بأفضل ما لدي.
وهكذا تعلمت من القرآن الكريم حيث تتجلّى الحكمة الإلهية ميزانًا لا شعارًا: “ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا” (الكهف/78). فالصبر هنا نصر مؤجَّل، وبلاغة تؤثر توقيتها على فورتها.
علّمتني الحياة العامة طوال أربعين عامًا أن تناقض “المصلحية” لا يُربكني. فقد صادفت من مدحني مدحًا يلامس النجوم (حين تصطف المصالح) ثم ذمّني ذمًّا لا تقبله الكلاب حين تتبدّل الموازين. كلا الصوتين من معدن واحد؛ زيف يتكفأ ويتهاوى. والزمن كفيل بتعرية الأقنعة الزائفة، و التاريخ أصدق شاهد على سقوط المرايا المخادعة.
تعلمت أيضًا من أمي وأبي أن: حدود الأخلاق لا تُلغى عند الخصومة. فضح الأسرار ليس شجاعة، والتشهير ليس بيانًا، وسرد العثرات ليس عدلًا أو إنصافًا.
المعارضة وفقًا لمدرستي السياسية وقناعاتي الشخصية لا علاقة لها بكراهية من تعارض.
بل هي اشتباكٌ أخلاقيٌّ أعمق يفرضه ضمير لا يزايد، ولا يتزيد، ولا يساوم في الثوابت، لكنه دائمًا يحافظ على حرمة الكرامة الإنسانية، ويغلّب المشتركات على شهوة الانتقام وتصفية الحسابات.
تعلمت من أستاذي #مصطفى_أمين درسًا عمليًا استفدت منه عندما تم منعي من الكتابة منذ مطالع الألفية—عام ٢٠٠٠—وكان عنوان الدرس هو التحدي.
سجني بعد انتخابات الرئاسة الأولى ٢٠٠٥، أسماه البعض قيدًا وسميته مدرسة. زنزانة ضيقة علّمتني سعة المعنى، وصمت ثقيل درّبني على موسيقى الكلمة حين تُكتب بدم القلب لا بحبر الغضب.
تصوّر البعض أن اعتقالي الخامس، ولمدة خمس سنوات، سيغيّر في خطابي ليكون أكثر ميلًا للانتقام أو العنف اللفظي. لكن كان يصدمهم أن كل مخطوط خفيّ يولد خلف القضبان ويُهرّب خارجها، يكون عقلانيًا بامتياز؛ لا يركض خلف الصدى، ولا يتنازل عن نغمة العقلانية والوسطية والموضوعية والاعتدال.
أقول لكل من يزايد اليوم على من لا يمكن المزايدة عليه: ميزان التاريخ لا يخطئ. إفساح المسار وتطهيره مسألتان مختلفتان. فالاستمرار في إصلاح ما يمكن إصلاحه أولى، ما دام العبور للتغيير السلمي الآمن ممكنًا. فإذا صار العائق سدًّا كاملًا، تقدّم التطهير إلى صدارة الواجب.
التطهير لا يعني أن الدم يطهر بدم، أو أن العنف يُقاوم بعنف، أو أن الجريمة تُقاوم بجرم، أو أن الخطأ يقوم بخطيئة.
رسالتي لهم: إلى ردّاحي إعلام النظام ولجانه، أو لمدّعي البطولات الزائفة ومروّجي المخدرات والأكاذيب والأوهام والأحلام المغشوشة: لن يوقعني غلوّكم وتجاوزاتكم في خطيئة الردّ عليكم.
قرار الرد أو الإمساك جزءٌ من هندسة الطريق، لا من غرائز الثأر. وأنا لا أحيد من علوم الهندسة إلا هذا الفرع!
والانتقام طبق لا يُؤكل إلا باردًا. وأنا لا أستطيع هذا الطبق، ولا أشتهيه باردًا أو ساخنًا.
غباءٌ ولددٌ البعض يفضح أصحابَه أكثر مما يفضحهم أي رد. وأشفق أحيانًا على بعضهم من فراغ سيقتلهم بعد موتي، فلن يجدوا غالبًا اسمًا يحمّلونه فشلهم بعدي.
حقيقة لا تتبدّل: من قرأ التاريخ – وفهمه – أدرك دوران الفلك، وتبادل الكراسي، وتعاقب المغانم بالمغارم: أغنياء الأمس فقراء اليوم، وحكّام الأمس مشرّدو الغد، وقضاة الأمس متّهمو زمن مقبل. لا حزن يدوم، لا فرح يُخلّد، لا كرسي يُؤبَّد.
لهذا يقين الإصلاح لدي لا ينكسر: فهو مشروع طويل النفس لا يُختزل في تريند، ولا يُقاس بمنسوب الصراخ. فالعدل يُبنى لبنة لبنة، والحرية تُغرس غرسًا، وكلمة تُنفخ فيها الروح حتى تصير جسرًا. الإصلاح خيار الشجعان الذين يعرفون أثمانه ويدفعونها، لا مقامرو لحظات يطلبون التصفيق.
افهموا… استعارة الدفء الكاذب لا تُغوي عاقل. لذّة إحباط الآخرين تشبه دفء من يشعل النار في ثيابه؛ هي لحظة دافئة يعقبها احتراق.
لم ولن أمنح شرف الرد لأسماء من هنا أو هناك ليس فقط لأنها لا تستحق الرد، بل لأن الردّ الذي يُطفئ الحريق أولى من الردّ الذي يضيف حطبًا.
فضلًا أني لم ولن أتنازل يومًا عن معيار الندية لا محاباة فيه. فالأسماء تُحترم، والخبرات يُعتد بها، والمنطق لا يُراجَع إلا بمنطق. أمّا الحسابات الوهمية والوجوه المستعارة، فمجرد ضوضاء.
رغم الإرهاب والتخوين يبقى الحوار بين كل مكونات الدولة بداية الحل، على أن يصاحبه مراجعات لا تنقطع، وأخطاء يُعترف بها، وصوابات تُستكمل.
كلمة الحق قبل الحلفاء، وبوجه الذات أولًا، ثم بوجه الخصوم. فنـزاهة المقصد شرط نزاهة الخطاب.
التاريخ يكتب الرد الأبقى، والزمن يسقط الأقنعة، والشعوب تحفظ الذاكرة أطول من حافظات الأجهزة. اختيار الصمت—حين يكون موقفًا—ليس انسحابًا من المعنى، بل تقدمًا إلى منطقة أعلى من المعنى. فهناك، تتكلم الوقائع أبلغ مما تتكلم البيانات، وتُسمع الحقيقة وإن اختلطت بأبواق الزيف.
قرار أخير لا تردّد فيه: المضي في الطريق الذي اخترته لسنوات طويلة طريق العقل و الحرية و العدل وبهاء الكلمة—أولى من كل مناكفات تُغرق المقاصد في وحل الوسائل. الردّ المؤجَّل يجيء حين يتكامل ميزانه: حوار يليق، وندّ يستحق، وموضوع يرقّي بالمعنى. وما عداه، ضجيج يذروه الريح.
من هو؟ (1)
..تلميذ لم ينجح إلا في الفشل
..صحفي يكتب كمن يعتذر عن ميراث ابيه
..إنسان لا يُتقن سوى خسارة إنسانيته وكل من حوله
..إعلامي كومبارس على مسرح الرداءة والردح
..نائب بلا قضية ولا ظل ولا صوت ولا ذكر.
..مقدم برنامج يُقدِّم الفشل أكثر مما يُقدِّم نفسه
شريك دائم في شركة الإفلاس ولم يفسخ العقد يومًا
رحم الله ابيه
هل تعرف من هو؟
مسابقة من هو؟ (2)
السياسي المغشوش والمقلد المزيف.
هو ذلك الذي لا يعترف بجميل أحد، ولا يعي الا الغي لا الوعي
بجميل الخُلق.
يتقن تقليد الشكل، لكنه أعجز وأجبن من أن يقترب من المضمون، أو أن يلامس الجوهر.
يظن أن البسالة لقبٌ ، لا خُلقٌ . يحمل في اسمه ما لا يملك في ملامحه، ولا في مواقفه، ولا في أفعاله.
هو المغشوش والمقلد المزيف؛ سلعة رديئة تُباع على الأرصفة، بلا ضمان ولا قيمة.
يلهث وراء المحاكاة، لكنه يعجز عن صناعة شرف الموقف.
نسخة مشوّهة من فكرة لم يفهمها،او يدركه الوعي بها.
صدى باهت لصوت لم يفهمه.
يتكلم وكأن لسانه مُستعار،
ويطل كمن يلبس ثوبًا كبيرا عليه
لا يليق بجسده.
في النهاية، يبقى كما بدأ: مجرد انتهازي، وظلٍّ هزيل، لا يعرف من #الوفاء إلا ما يخفيه من اسمه الأخيرة.
جائزه لمن يعرفهما