مقالات وآراء

د. عدنان منصور يكتب : ما هو أبعد من نزع السلاح!

السلام الوهم الذي لا تنفكّ الولايات المتحدة و”إسرائيل” عن الحديث عنه، والترويج له في المنطقة، وما يحمله من مستقبل “باهر” لشعوبها، ما هو إلا نفاق، وذرّ الرماد في العيون، وخداع مكشوف يحمل في ثناياه أهدافاً مشبوهة، ونيّات خبيثة، تهدف إلى تمكين كيان الاحتلال من السيطرة على المزيد من الأراضي اللبنانية والسورية، وفرض الأمر الواقع عليها، مع تقسيمات جديدة تنهش من سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتنشئ كيانات انفصاليّة طائفيّة هزيلة تدور في فلك واشنطن وتل أبيب.

لو كان للولايات المتحدة الرغبة الأكيدة في مساعدة لبنان على تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي لفعلت ذلك دون تردّد. لكن مصالح لبنان وشعبه الحقيقيّة لا تدخل في دائرة اهتماماتها، وهذا ما يجب على المراهنين على الولايات المتحدة وعشاقها أن يفهموه ويدركوه.

واشنطن تصرّ على نزع سلاح المقاومة قبل انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي، منعاً لتجدّد العمليات الحربية بين الطرفين اللبناني و”الإسرائيلي”. إلا أنّ نزع السلاح قبل انسحاب “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية لا يعطي مطلقاً ضمانات للبنان وللبنانيين بالانسحاب، خاصة أنّ العدو الإسرائيلي أثبت على الملأ وللعالم كله أنه ثعلب مخادع، مراوغ، وكذاب، يراهن على الوقت ليصبح الأمر الواقع المؤقت في ما بعد “قانونيّاً” له. هذا ما فعله العدو في الجولان السوريّ، وفي القدس الشرقية، والضفة الغربية لفلسطين، وما يريد أن يفعله في الوقت الحاضر أيضاً في لبنان وسورية.

المبعوثون الأميركيون “الغيارى” على لبنان، الذين يريدون مساعدته وحلّ صراعه مع الاحتلال الإسرائيلي، من توم برّاك، مروراً بمورغان أورتاغوس، وليندس غراهام، وصولاً الى جين شاهين، من عتاة المتطرفين، الحاقدين، الداعمين لـ “إسرائيل” بلا حدود، والمبرّرين لجرائم الإبادة والتطهير العرقي والتجويع بحق الفلسطينيين كشفوا عن حقيقتهم. ألم يعتبر غراهام قتل الأطفال والنساء “شيئاً طبيعيّاً من حق الجيش الإسرائيلي أن يقوم به”؟!

من قصر بعبدا قال غراهام: “نحن نريد حزب الله منزوع السلاح… ونحن اليوم نتحدث عن تغيير في تاريخ لبنان (أيّ تاريخ يا غراهام؟!)، ولا تسألوني ماذا ستفعل “إسرائيل” قبل أن تقوموا بنزع سلاح حزب الله”!

هو يعرف جيداً ما يبيّته العدو للبنان بعد نزع السلاح، من سيطرة واحتلال، وفوضى، وقضم لأراض لبنانيّة. لكن غراهام بخبثه الشديد، وصهيونيته المكشوفة، لا يريد الإفصاح عن ذلك، أو التطرق إلى ما ستفعله “إسرائيل” مستقبلاً.

تركيز الولايات المتحدة يصبّ على نزع السلاح، لكن في ما يتعلق بإجراءات “إسرائيل” فهذا شأن آخر لا يجب التطرّق إليه. هذا ما قالته عضو الكونغرس الأميركيّ، جين شاهين:
“لسنا هنا لمناقشة ما فعلت وستفعله “إسرائيل”، وعلى لبنان نزع سلاح حزب الله قبل السؤال عن انسحاب “إسرائيل””!
أيّ “صدقية”، و”حيادية” و”نزاهة” يحملها المبعوثون الأميركيّون، المنحازون، الداعمون، المؤيّدون بالمطلق لـ “إسرائيل”، ولجيش الاحتلال في كلّ ما يرتكبه من قتل وتدمير، ومجازر وحشيّة ضدّ الإنسانيّة؟!

واشنطن وتل أبيب تريدان لبنان منزوعاً من القوة العسكريّة الفعليّة، حتى لا يكون مستقبلاً عصياً على أيّ عدوان تقوم به “إسرائيل”، أكان جغرافياً، أو حدودياً، أو أمنياً، أو اقتصادياً، أو طاقوياً، أو أيّ إجراء يرمي إلى تعديل حدوده البرية، أو إعادة ترسيم منطقته الاقتصادية الحصرية، وهذا أمر منتظر منها وغير مستبعد بالكامل!

هل يضع اللبنانيون، كلّ اللبنانيين، قياديين، ومسؤولين وأفراداً، في حساباتهم، أنّ مصالح واشنطن ليست في لبنان، وإنّما مصالحها الاستراتيجية القريبة والبعيدة المدى تصبّ في “إسرائيل”؟! واشنطن لن تقوم بأيّ إجراء يخدم لبنان إنّ عارضته “إسرائيل” مسبقاً. ليعلم المغفلون اللاهثون وراء “السلام الوهم” ونزع السلاح لتحقيق الاستقرار، ووقف الحرب، أنّ ما يريده العدو من لبنان هو الأمن فقط ولنفسه، وبعد ذلك يهب “السلام الوهم” لغيره ولمن يريده.

إنّ الأمن في مفهوم “إسرائيل”، مرتبط مباشرة بالاحتلال. وكلما توسّع الاحتلال برؤيته التوراتيّة، يتعزّز أمنها، وأن السلام الإسرائيلي مقرون بالسيطرة والاحتلال. لذلك قال نتنياهو وقبل تشكيله أول حكومة “إسرائيلية” عام 1996، بكلّ وقاحة في كتابه “مكان بين الأمم”: “إنّ استمرار سيطرة “إسرائيل” على الجولان، يعتبر عنصراً حيوياً للمحافظة على السلام… وأنه في الشرق الأوسط يتقدّم الأمن على السلام ومعاهدات السلام، وكلّ مَن لا يدرك هذا سيظلّ دون أمن ودون سلام”.

بهذا المفهوم رأى نتنياهو في القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن عام 1967، والقاضي بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، من “أنّ القرار لم يحدّد في ايّ بند من بنوده، انّ “إسرائيل” ملزمة بالانسحاب من كافة الجبهات: سيناء، الضفة الغربية، والجولان. إذ على العرب التنازل من أجل السلام”!.

ألم يقل إسحاق رابين عشية انتخابات الكنيست عام 1992، “إن من ينزل عن هضبة الجولان، يكون قد تخلّى عن أمن “إسرائيل”! إلى كلّ الواثقين بسياسة الكاوبوي الأميركي، وكلّ الذين يغازلون الذئب “الإسرائيلي” سراً وعلانيّة نقول: انظروا أين أصبحت الضفة الغربية وشعبها، وأين أصبحت القدس والدولة الفلسطينيّة الصورية، والجولان في سلامهم وأمنهم؟!

قادة العدو يرون أنّ أمن “إسرائيل” يكمن في ابتلاع الضفة الغربية، وغزة، والجولان، وجنوب لبنان بعد تجريد مقاومته من السلاح. ما يجري في السويداء لهو برهان حقيقيّ، وأمر خطير جداً يهدّد الأمن القومي لسورية ولبنان معاً.

وما توسّع وتمدّد الجيش الإسرائيلي على موازاة الحدود اللبنانية السورية في الجولان والبقاع الغربي، إلا ليكشف عمّا تبيّته “إسرائيل” منذ 43 عاماً حيال لبنان وسورية، في مشروعها الاستراتيجيّ الذي نشر في 14 شباط/ فبراير من عام 1982 في مجلة كيفونيم العبرية (Orientation) المتعلق بالشرق الأوسط، وتقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة، ومنها لبنان الذي يلحظه المشروع بالقول: “إنّ تقسيم لبنان إلى خمس مقاطعات، ينبئ بالمصير الذي ينتظر العالم العربي أجمع، فقد بات الأمر منجزاً في لبنان… وأنّ الهدف الأكثر إلحاحاً لـ “إسرائيل” على المدى البعيد، تحقيق اضمحلال سورية والعراق، وتحوّلهما إلى مقاطعات عرقيّة ودينيّة، كما هو الحال في لبنان”!.

للدولة اللبنانية وقادتها نقول: هل حصّنتم لبنان في وجه أيّ عدوان تقوم به “إسرائيل” ضده مستقبلاً؟! هل لديكم الضمانات الأكيدة التي لا تشوبها شائبة، من انّ تسليم السلاح سيحرّر لبنان فعلاً، لا قولاً، دون تسويف، أو مراوغة أو مماطلة من الاحتلال، ويضمن حدوده المعترف بها دولياً؟!

ليكن بعلم الجميع، إنّ المنطقة الاقتصادية في الجنوب التي يتحدث عنها قرصان العالم، وتحمل اسمه، ليست إلا مقدمة لإشراف العدو والسيطرة عليها أمنياً، لتصبح امتداداً طبيعياً لفلسطين المحتلة، تستولي عليها “إسرائيل” في ما بعد، وتضعها ضمن خريطة احتلالها! ألم تفعل ذلك في الجولان والقدس الشرقيّة، وما اتخذته مؤخراً من قرار جائر يُطيح بالقرارات الأمميّة ذات الصلة، بغية السيطرة الكاملة على الضفة الغربيّة؟!

لبنان، أيّها المسؤولون، ليس مشروعاً اقتصادياً عند واشنطن وتل أبيب، وليس مشروع سلام واستقرار لدولته وشعبه، إنّما هو مشروع توسعيّ إسرائيلي استيطاني، هدفه القضم والضمّ، غير مكترث بلبنان وزعمائه، وطوائفه، ولا بالمجتمع الدوليّ وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بـ “إسرائيل”. أنظروا إلى المبعوثين الأميركيّين كيف يتعاطون مع المسؤولين اللبنانيين، وغير المسؤولين، بعنجهية واستخفاف، واحتقار، وهم يتمادون في إملاءاتهم وتصريحاتهم الغليظة التي تنال منهم ومن سيادة وكرامة لبنان، ليتبيّن أنّ هؤلاء بحاجة إلى إعادة تأهيلهم وإعطائهم الدروس في الأصول، والأعراف، واللياقات، والديبلوماسية الراقية، وبالذات في التعاطي الأخلاقي.

أيّ خيار وطني وشجاع سيتخذه القادة اللبنانيّون، يعبّر عن روح الدستور، وجوهر اتفاق الطائف، ووحدة اللبنانيّين، وسيادة بلدهم، ونسيجهم الوطني؟ إنّه خيار تاريخي للبنان، فإما أن يكون دولة ذات سيادة حرة مستقلة، (طبعاً ليس على الطريقة الأميركيّة)، وإما الاستسلام والذلّ المغلّف بتحقيق نصر وهميّ لبنانيّ ينتج عنه نزع السلاح بالقوة،

دون الأخذ بالاعتبار الحسابات الدقيقة والتداعيات الخطيرة التي ستنجم عن قرار كهذا، يضع لبنان في النفق المظلم الذي خطّطه مشروع “إسرائيل” الاستراتيجيّ لدول المنطقة ككل، ومنها لبنان. نزع السلاح دون انسحاب المحتلّ، ودون ضمانات دوليّة شفافة أكيدة، يُعتبر صكّ تنازل عن الوطن وسيادته، يضع لبنان بين فكي الذئب الإسرائيلي!

إنّها الحقيقة المرّة، وإنْ أراد البعض في الداخل والخارج تظريف دور واشنطن والترويج له، بعد أن قرّر الكاوبوي الأميركي فرض قراره على لبنان فرضاً، وبعد أن أيقن أن قلة من الرجال في لبنان استطاعوا أن يقولوا له بكلّ شجاعة وكرامة، لا لمشاريعه المدمّرة، وانحيازه الأعمى، وموقفه اللاأخلاقي واللاإنساني، الداعم على الدوام لدولة الاحتلال، والإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى