
تنص المادة (38) من الدستور المصري بوضوح لا لبس فيه على أن: يتعين على العضو أن يقدم للمجلس إقرار ذمة مالية، عند شغل العضوية وعند تركها وفى نهاية كل عام، ويلتزم العضو بإبلاغ المجلس بأى هدية نقدية أو عينية يتلقاها بسبب العضوية أو بمناسبتها، وتؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة.
هذا النص الدستوري لا يحتمل التأويل، وهو صريح في رسم حدود النزاهة التي يجب أن يتحلى بها عضو مجلس النواب، باعتباره ممثلًا للشعب ومسؤولًا أمامه.
لكن الواقع المؤلم يقول إن هذا النص ظل حبرًا على ورق، ولم يطبق التطبيق الكامل الذي يليق بدولة تدّعي احترام سيادة القانون. فالمواطن الذي يطالب اليوم بالتغيير، لا ينتظر وعودًا أو شعارات، بل يريد خطوات عملية تبدأ من احترام الدستور، ونشر إقرارات الذمة المالية للنواب، ومحاسبة من تضخمت ثرواتهم بصورة تثير الشبهات.
لقد تابع الشعب المصري خلال السنوات الماضية كيف انتقلت بعض الشخصيات النيابية، وخاصة من أحزاب المولاة، من مجرد وجوه سياسية محدودة الإمكانيات إلى رجال أعمال يملكون شركات داخل وخارج مصر. هذه التحولات السريعة لم تكن لتحدث لولا غياب الرقابة الحقيقية وتراخي مؤسسات الدولة عن إلزام هؤلاء النواب بتقديم إقرارات الذمة المالية بشفافية، وعرضها للرأي العام كما يحدث في دول تحترم شعوبها.
إن دولة القانون لا يمكن أن تقوم إلا على مبدأين أساسيين: الشفافية والمحاسبة. الشفافية تعني أن يعرف الشعب كيف يدير نوابه المال العام، وأين تذهب موارد الدولة، وما إذا كان ممثلوه يستخدمون مواقعهم لمصلحة الوطن أم لمصالح شخصية. أما المحاسبة فهي السيف القاطع الذي يحول دون تحول السلطة إلى وسيلة للثراء الفاحش على حساب الفقراء.
اليوم، إذا أرادت الدولة أن يشعر المواطن بالتغيير الحقيقي، فعليها أن تبدأ من
تطبيق الدستور نصًا وروحًا.
و نشر إقرارات الذمة المالية لكافة النواب الحاليين والسابقين.
مع فتح ملفات الثروات التي تضخمت بشكل مريب.
لنبداء في محاسبة كل من استغل موقعه لتحقيق مصالح شخصية، مهما كان انتماؤه الحزبي أو موقعه السياسي.
إن احترام الدستور ليس رفاهية، بل هو العقد الاجتماعي الذي ارتضاه الشعب، والتفريط فيه هو تقويض لأساس الدولة. والشعب الذي قدّم التضحيات يستحق أن يرى في برلمانه نموذجًا للنزاهة، لا واجهة للفساد المقنّن.
فليعلم الجميع أن الدولة الحديثة لا تبنى على الشعارات، وإنما على وضوح الحساب، وقوة القانون، وإرادة سياسية تحترم المواطن قبل أن تطلب منه الصبر والتضحية.