تركيا في منظور المشروع الصهيوني بالمنطقة.. احتمالات الصدام ومجاله ومداه – دراسة تحليلية-

مركز حريات للدراسات الاستراتيجية
التمهيد
منذ أن أُسّس الكيان الصهيوني، ظلّت تركيا تمثل معضلة مركّبة في الحسابات الإسرائيلية: فهي وريثة الدولة العثمانية التي حكمت فلسطين أربعة قرون، وهي ذاتها الدولة التي اعترفت بإسرائيل مبكرًا وارتبطت معها بعلاقات دبلوماسية وعسكرية في زمن الجمهورية الكمالية، ثم ما لبثت أن عادت لتُحيي في عهد العدالة والتنمية خطابًا إسلاميًا متصاعدًا منحازًا بوضوح إلى فلسطين وغزة والقدس. هذا التقلّب التاريخي جعل تركيا في نظر المشروع الصهيوني ليست مجرد دولة إقليمية كبرى، بل قوة حضارية منافسة لها جذورها العميقة في الوعي العربي والإسلامي.
بعد عام 2000، ومع صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، بدأ ميزان العلاقة يميل نحو التوتر المتصاعد، خاصة بعد حرب غزة 2008 وموقف أردوغان في دافوس 2009، وصولًا إلى أزمة أسطول الحرية عام 2010، ثم الانحياز التركي الواضح إلى ثورات الربيع العربي، والدعم السياسي والإغاثي والعسكري للمقاومة الفلسطينية والسورية. كل ذلك جعل من أنقرة هدفًا مركزيًا للمشروع الصهيوني الذي يسعى لتطويقها ومحاصرة نفوذها إقليميًا، سواء عبر دعم المحاولات الانقلابية، أو إثارة الورقة الكردية، أو بناء تحالفات إقليمية مناوئة.
ومع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 وصعود إسلاميين مدعومين من تركيا إلى الحكم في دمشق، وجدت إسرائيل نفسها أمام تحدٍ استراتيجي جديد: جبهة شمالية متصلة جغرافيًا مع تركيا، وقوة إسلامية تتقدم على حساب أحد أهم حلفائها التاريخيين في سوريا. في هذه اللحظة بات السؤال أكثر إلحاحًا: هل تركيا متجهة إلى صدام حتمي مع إسرائيل، أم أن التوازنات الدولية والإقليمية تفرض عليها الاكتفاء بالمناورة؟
إن قراءة موقع تركيا في منظور المشروع الصهيوني ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية واستراتيجية، لأنها تكشف عن بؤر التوتر المحتملة، وأدوات الصدام المستترة، ومجالات النفوذ التي يسعى كل طرف إلى فرضها. فإسرائيل – في ضوء مشروعها للهيمنة الإقليمية – لا يمكن أن تقبل بتركيا قوية مستقلة إسلاميًا، وتركيا – في ضوء خطابها الحضاري – لا تستطيع التراجع عن دعمها للقضية الفلسطينية أو عن طموحها الإقليمي. ومن هنا، تتحدد معالم المواجهة القادمة: هل ستكون مواجهة مباشرة، أم صراعًا باردًا طويل الأمد، أم مزيجًا ذكيًا من الصدام والاحتواء؟
🟩 المسار الأول: تطور نظرة المشروع الصهيوني لتركيا – من التوظيف إلى التحجيم
منذ لحظة إعلان “إسرائيل” في عام 1948، كانت تركيا من أوائل الدول ذات الأغلبية المسلمة التي سارعت للاعتراف بها، في ظل نظام جمهوري علماني نشأ على أنقاض الخلافة العثمانية. وقد سعى المشروع الصهيوني في بدايته إلى توظيف تركيا كنموذج علماني حديث يصافح الغرب ويتجاوز التاريخ الإسلامي، ويُستخدم كوسيط أو معبر إلى العالم العربي والإسلامي.
خلال عقود الحرب الباردة، تكرست الشراكة الاستراتيجية بين تل أبيب وأنقرة في ملفات الأمن والطاقة والتدريب العسكري، وقد لعب الجيش التركي – الحامي للنظام الكمالي – دورًا أساسيًا في حماية هذه العلاقة. وهكذا، تحوّلت تركيا من دولة “خطر محتمل” بحكم ماضيها العثماني، إلى دولة “فرصة قابلة للترويض” في نظر المنظومة الصهيونية.
لكن هذا الإدراك بدأ يتغير تدريجيًا مع صعود أردوغان وحزب العدالة والتنمية عام 2002. فتركيا الجديدة – ذات الجذور الإسلامية والهوية الحضارية – بدأت تستعيد علاقتها مع محيطها العربي، وتعطي للقضية الفلسطينية مكانة مركزية في خطابها السياسي، وتبني لنفسها موقعًا مستقلاً بين المحاور الدولية.
وقد بلغت القطيعة النفسية مع المشروع الصهيوني ذروتها بعد مواقف أردوغان الحادة في منتدى دافوس 2009، ثم حادثة أسطول الحرية 2010، التي خلّفت صدمة في تل أبيب، حيث أصبح يُنظر لتركيا – لا كحليف – بل كخصم استراتيجي جديد، يمتلك طموحًا أمميًا، وقوة ناعمة صاعدة، وقاعدة شعبية عابرة للحدود.
بعد ذلك، حاولت إسرائيل، مدعومة ببعض القوى الغربية والعربية، كبح هذا الصعود التركي، من خلال وسائل متعددة:
• دعم القوى الانقلابية داخل الجيش التركي (كما في محاولة يوليو 2016).
• توظيف الورقة الكردية لإثارة القلاقل في العمق التركي.
• بناء تحالف إقليمي مضاد يضم الإمارات واليونان وقبرص ومصر لمواجهة أنقرة في شرق المتوسط.
• استثمار الثورة المضادة لإضعاف كل الحلفاء المحتملين لأنقرة في سوريا ومصر وتونس.
في ضوء هذا التحول، لم تعد إسرائيل ترى في تركيا دولة قابلة للترويض، بل خصمًا ينبغي تحجيمه، لا سيما بعد أن ساهمت بشكل كبير في دعم إسقاط الأسد وصعود الإسلاميين إلى الحكم في سوريا أواخر 2024، وهو ما عُدّ تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي الإسرائيلي.
🟩 المسار الثاني: الأدوات الصهيونية المستخدمة لإضعاف تركيا – خنق تدريجي لا صدام مباشر
رغم العداء المتصاعد بين المشروع الصهيوني وتركيا الجديدة، إلا أن السلوك الإسرائيلي لم يتجه إلى الصدام العسكري المباشر أو التصريحات العدائية العلنية، بل اعتمد استراتيجية “الخنق الناعم” عبر أدوات مركبة، تجمع بين التحريض، والتحالفات، والتسريبات، والإرباك الإقليمي، وتشويه الصورة. ويمكن رصد أبرز هذه الأدوات كالتالي:
♦️ 1. التحالف مع خصوم تركيا الإقليميين، حيث شكّلت إسرائيل شبكة من التحالفات مع دول معادية أو متوترة مع أنقرة، مثل:
• الإمارات: بدعم مشاريع احتواء النفوذ التركي في ليبيا وسوريا، وتمويل حملات إعلامية ضد أنقرة.
• مصر: من خلال التنسيق الأمني في شرق المتوسط، والضغط لعرقلة أي تقارب مصري–تركي فاعل.
• اليونان وقبرص: في ملف الغاز والمياه الإقليمية شرق المتوسط.
• أرمينيا: بدعم صامت في صراعها مع أذربيجان، حليف تركيا التاريخي.
2. التوظيف السياسي للقضية الكردية، حيث تلعب إسرائيل دورًا مشبوهًا في دعم الطموحات الانفصالية لبعض الفصائل الكردية، خصوصًا في سوريا والعراق، لخلق “حزام كردي” يعزل تركيا عن عمقها العربي، ويستنزفها أمنيًا واقتصاديًا:
• دعم وحدات الحماية الكردية YPG المصنفة إرهابية لدى تركيا.
• تشجيع مشاريع الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا.
• تسريبات متكررة عن علاقات استخبارية إسرائيلية ببعض القادة الكرد.
3. الحرب الإعلامية وتشويه الصورة، حيث تعرضت تركيا وأردوغان لهجمات إعلامية شرسة من منصات مرتبطة بإسرائيل أو موالية لها:
• اتهام تركيا بدعم الإرهاب.
• تصوير التوجه التركي كعثمانية جديدة تهدد العرب.
• شيطنة النموذج السياسي التركي وربطه بالإسلام السياسي الراديكالي.
4. إثارة الملفات الداخلية، حيث سعت بعض الجهات المرتبطة بإسرائيل إلى إثارة التوترات الداخلية في تركيا عبر:
• تسليط الضوء على قضايا الحريات والصحفيين.
• دعم بعض الحركات اليسارية والعلمانية المعارضة.
• تضخيم الخلافات المجتمعية بين المحافظين والعلمانيين.
5. التقويض في المحافل الدولية، حيث تحاول إسرائيل التأثير على مواقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تجاه تركيا من خلال:
• شيطنة أنقرة كدولة “مزعزعة للاستقرار”.
• الضغط من داخل اللوبيات الغربية لتجميد أو تعقيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
• دعم قوى الضغط التي تستهدف إضعاف الاقتصاد التركي عبر تصنيفات سلبية أو تعطيل صفقات السلاح.
بهذه الأدوات، لا تهدف إسرائيل إلى إسقاط النظام التركي، بل إلى “إعادته إلى القفص” وتحجيم طموحاته الجيوسياسية، خصوصًا بعد دوره في الملف الفلسطيني، والدعم العلني للثورات، والانخراط في إعادة تشكيل الإقليم.
المسار الثالث: مدى احتمالية الصدام المباشر بين تركيا وإسرائيل؟ من الاحتمال المؤجل إلى التصادم غير التقليدي
رغم تصاعد التوتر الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل منذ عام 2008، وتضارب مواقف البلدين إزاء ملفات كبرى كفلسطين وسوريا وليبيا وشرق المتوسط، إلا أن احتمال الصدام المباشر بينهما لا يزال محدودًا في المدى القريب، وذلك لعوامل توازن وردع متبادلة، لكن لا يمكن استبعاد “صدام غير تقليدي” يتخذ أشكالًا متعددة، نعرضها فيما يلي:
1. ميزان الردع والتشابك الاقتصادي والسياسي:
• لا تزال تركيا تحتفظ بعلاقات دبلوماسية – وإن محدودة – مع إسرائيل، وتُبقي على قنوات التواصل الاستخباري مفتوحة.
• التبادل التجاري بين البلدين لم ينقطع، بل شهد نموًا في بعض الأعوام رغم التوتر السياسي.
• عضوية تركيا في حلف الناتو تضع قيودًا موضوعية على أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل.
وعلى هذا فهناك توازن مصالح لا يزال يمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
2. التوتر في ساحات الصراع بالوكالة:
• في غزة: دعمت تركيا سياسيًا وإنسانيًا المقاومة الفلسطينية، ما أثار غضبًا إسرائيليًا متصاعدًا.
• في ليبيا: انحازت تركيا لحكومة طرابلس ضد محور تدعمه إسرائيل ضمنيًا (الإمارات ومصر).
• في سوريا: هناك تنافس استخباري ضمني بين تل أبيب وأنقرة في الشمال السوري.
وعلى هذا يمكن القول إن الصدام يحدث بشكل غير مباشر عبر وكلاء أو ساحات ثالثة.
3. الصدام السيبراني والمعلوماتي:
• وردت تقارير عن هجمات سيبرانية متبادلة بين مجموعات هاكرز موالية للطرفين.
• قد تلجأ إسرائيل لمحاولات قرصنة أو تجسس رقمي لتعطيل مشاريع حساسة في تركيا.
ولهذا فاحتمال الاشتباك السيبراني يظل مرجّحًا ومتصاعدًا.
4. حرب الرواية والرمزية:
• تركيا باتت تُقدّم نفسها كمدافع عن القدس والأقصى، ما يضعها في موقع رمزي مناهض لإسرائيل.
• تسعى إسرائيل إلى نزع هذه الرمزية، وتشويه الخطاب التركي أمام العالم العربي والغربي.
وعلى هذا تبقى المعركة على الرواية أكثر حدة من المعركة على الأرض.
5. إمكانات الانزلاق تحت ضغط التحالفات:
• إذا اندلع صراع واسع يشمل أطرافًا مثل إيران أو جبهات المقاومة، قد تُجبر تركيا على اتخاذ موقف أكثر صدامية.
• أي تصعيد كبير في غزة أو المسجد الأقصى قد يدفع تركيا لاتخاذ مواقف أقرب للمواجهة.
ولهذا يمكن القول ان احتمالية التصادم تتوقف على ديناميكيات الإقليم والتحالفات المتغيرة.
المسار الرابع: خيارات تركيا الاستراتيجية لمواجهة المشروع الصهيوني – من التحدي الرمزي إلى الاحتواء الجيوسياسي
إذا كانت تركيا باتت تمثل ـ في المنظور الصهيوني ـ أحد أهم مصادر الإزعاج والتهديد المتوسط المدى، فإن خياراتها لمواجهة هذا التحدي متعددة، لكنها تتطلب توازنًا دقيقًا بين الطموح والواقعية، وبين الخطاب الحاد والعمل المؤسسي المتدرج. نستعرض أبرز هذه الخيارات وفقًا لطبيعتها:
1. تعزيز التحالفات الإقليمية البديلة:
• مع دول المقاومة والممانعة، من خلال دعم القضية الفلسطينية عبر التحالف الرمزي أو الوظيفي مع إيران وقطر وبعض قوى المقاومة.
• مع قوى عربية سنية غير متماهية مع المحور الإسرائيلي، مثل الجزائر والكويت والمغرب الشعبي.
• مع دول أفريقية صاعدة، من خلال تدعيم النفوذ التركي في القرن الأفريقي والساحل كامتداد استراتيجي مضاد للاختراق الإسرائيلي.
الهدف: كسر الطوق الإقليمي الذي تسعى إسرائيل لبنائه حول تركيا.
2. الاستفادة من الأدوات الناعمة والرمزية:
• القدس والأقصى، حيث الاستثمار في الرمز الديني والوجداني لقضية القدس كرافعة لوحدة الشعوب الإسلامية.
• القوة الإعلامية، حيث توظيف وسائل الإعلام التركية العابرة للحدود لمواجهة الرواية الصهيونية.
• الجامعات والمنح والتبادل الثقافي، من خلال اجتذاب نخب عربية وإسلامية نحو تركيا لتعزيز عمقها الحضاري.
الهدف: مواجهة المشروع الصهيوني عبر رواية مغايرة وأدوات ناعمة فعالة.
3. تحصين الجبهة الداخلية سياسيًا واقتصاديًا:
• خفض التبعية للصناعات الغربية الحساسة، ومنها تلك المتصلة بإسرائيل.
• إعادة صياغة العلاقة مع الناتو والولايات المتحدة بما يحول دون استغلالها ضد الأمن القومي التركي.
• ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي لمواصلة الأدوار الإقليمية دون ارتباك داخلي.
الهدف: بناء قاعدة صلبة تمكّن من مجابهة المشاريع الخارجية.
4. بناء بنية ردع ذكي وغير مباشر:
• تطوير الصناعات الدفاعية المحلية التي تحرر القرار العسكري التركي من الارتهان.
• دعم محور غزة – الضفة – الداخل الفلسطيني بتقنيات سياسية، إعلامية، وإغاثية تزيد من كلفة المشروع الصهيوني.
• العمل مع القوى الإسلامية المعتدلة لتشكيل تيار سياسي – شعبي ضاغط يضعف قدرة إسرائيل على التمدد.
الهدف: ردع ناعم ومركب يحاصر المشروع الصهيوني دون التصادم العسكري المباشر.
5. توظيف التناقضات الدولية لصالحها:
• التوازن بين الصين وروسيا والغرب لكسب مساحة مناورة أوسع.
• الانخراط في المنتديات الدولية والإسلامية (كمنظمة التعاون الإسلامي، والمنتديات الاقتصادية) لتدويل المواقف المضادة للهيمنة الصهيونية.
الهدف: توسيع دائرة الدعم الدولي لأي مواقف تركية مضادة لإسرائيل.
المسار الخامس: فرص التصعيد أو الاحتواء في العلاقة بين تركيا وإسرائيل في ضوء التحولات الإقليمية والدولية
في ظل حالة السيولة الجيوسياسية بعد طوفان الأقصى، وانتقال سوريا إلى ما بعد نظام بشار، وارتباك الوضع المصري، وتصاعد الاستقطاب في الخليج، تقف العلاقات التركية – الإسرائيلية أمام مفترق طرق. إذ تحكم هذه العلاقة معادلة مزدوجة: اشتباك خافت وتعاون محسوب. ويبقى السؤال: إلى أين تميل الكفة في المدى المنظور؟
1. عوامل التصعيد المحتملة:
• دعم تركيا العلني لحركات المقاومة (خاصة حماس)، فهي نقطة استفزاز استراتيجي لإسرائيل منذ سنوات، تزايدت حدتها بعد الحرب الأخيرة.
• التوسع التركي في البحر المتوسط، حيث تتعارض المصالح التركية مع مشروع منتدى الغاز الذي تقوده إسرائيل ومصر واليونان.
• صعود التيار المحافظ مجددًا في تركيا ما بعد الانتخابات، مع خطاب أكثر استقلالية وعدائية تجاه الغرب وإسرائيل.
• تنامي النفوذ التركي في شمال سوريا، وهو ما يُنذر باصطدام مع التمدد الإسرائيلي الأمني والاستخباراتي في المناطق الكردية.
النتيجة المتوقعة: توترات دبلوماسية – استخباراتية – إعلامية، قد تبلغ ذروتها في أزمات مؤقتة أو تبادل رسائل ردع.
2. عوامل الاحتواء وإعادة التهدئة:
• العلاقات الاقتصادية المتشابكة، فتركيا وإسرائيل تتبادلان مليارات الدولارات سنويًا، وهو ما يشكل حاجزًا ضد التصعيد غير المحسوب.
• التنسيق الأمني الغربي، إذ لا تزال تركيا عضوًا في الناتو، وتسعى للحفاظ على قنوات اتصال استخباراتي مفتوحة.
• استفادة إسرائيل من تركيا كنافذة على العالم الإسلامي، واستفادة تركيا من وجود جسر مفتوح نحو واشنطن من بوابة تل أبيب.
• البراغماتية التركية، التي لطالما ميّزت السياسة الخارجية لأنقرة، وقد تدفعها لفرملة بعض المسارات ذات التكلفة المرتفعة.
النتيجة المتوقعة: استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، مع بقاء التوتر في مستويات يمكن إدارتها.
3. سيناريو مرجّح: تهدئة باردة تحت ضغط المصالح
بناء على التوازن بين عوامل التصعيد والاحتواء، فإن السيناريو الأرجح هو:
“تهدئة باردة” تستمر فيها تركيا بتوجيه رسائل رمزية داعمة لفلسطين ومقاومة المشروع الصهيوني، دون بلوغ نقطة القطيعة. وفي المقابل، تحاول إسرائيل تطويق الدور التركي عبر تحالفات مضادة دون الدخول في صدام مباشر، خاصة في ظل حاجتها لتفرغ استراتيجي تجاه إيران ولبنان وسوريا.
الخاتمة والتوصيات الاستراتيجية:
في ضوء ما سبق، يتضح أن تركيا تمثل في منظور المشروع الصهيوني قوة إقليمية مقلقة، وإن لم تكن في عداد الأعداء التقليديين. فهي تملك مزيجًا نادرًا من المقومات: طموح سياسي، وعمق حضاري، واقتدار عسكري، وشعبية واسعة في العالم الإسلامي، وإرث إسلامي عثماني ما يزال حيًّا في الذاكرة الصهيونية كندّ حضاري وسياسي.
وبالرغم من أن العلاقات التركية – الإسرائيلية مرت بمحطات تقارب ملحوظة، فإنها ظلت دائمًا محفوفة بقدر كبير من الحذر والتوجس المتبادل. وقد زادت التحولات الكبرى في الإقليم، لاسيما بعد طوفان الأقصى، والانهيارات المتتابعة في بعض المحاور، من احتمال بروز تركيا كفاعل مناوئ – ولو تدريجيًا – للمشروع الصهيوني، ولو تحت سقف “الاشتباك البارد”.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب:
أولًا: توصيات للمشروع الإسلامي:
- تعزيز التحالفات الذكية مع تركيا ضمن إطار الوعي الحضاري المشترك، دون إغفال البراغماتية التي تحكم السياسة التركية.
- تقديم تركيا كحليف استراتيجي لا غنى عنه في مشروع تحرير فلسطين، وفتح قنوات حوار مجتمعي وشعبي لدعم هذه الوجهة.
- رصد سياسات إسرائيل في استهداف تركيا إعلاميًا، واستخباراتيًا، وتحالفاتيًا، وتحليلها لتكوين بنك معلومات ومرصد دائم.
- البناء على التجارب المشتركة في الملفات الإقليمية (غزة – ليبيا – السودان – سوريا – البحر المتوسط)، لتشكيل اصطفاف إسلامي مقاوم.
ثانيًا: توصيات لصانع القرار التركي:
- التحرر التدريجي من الضغط الإسرائيلي في ملفات الغاز والأمن، واستعادة دور تركيا كحاضنة لقضية فلسطين، لا وسيط ناعم.
- تحصين القرار التركي تجاه إسرائيل من الضغوط الغربية عبر تنويع التحالفات الدولية والإقليمية.
- الانخراط الذكي في إعادة بناء سوريا ما بعد بشار بما يعزز الأمن التركي ويكبح النفوذ الإسرائيلي شمالًا وشرقًا.
- تمكين رواية “الاستقلال الحضاري التركي” في الإعلام والثقافة والخطاب الرسمي، لتقويض الهيمنة الرمزية للمشروع الصهيوني.
ثالثًا: توصيات للباحثين ولمراكز الدراسات:
- إعداد سلسلة دراسات مقارنة عن تطور المشروع الصهيوني في مواجهة تركيا ومصر وإيران.
- تدشين مرصد “الاشتباك الصامت” بين تركيا وإسرائيل، لمتابعة مؤشرات التوتر والتهدئة.
- نشر أوراق بحثية تسلط الضوء على الهوية العثمانية كعدو استراتيجي في العقل الصهيوني.
- دراسة سيناريوهات تطور العلاقة التركية – الإسرائيلية في ضوء التغيرات الإقليمية القادمة (ما بعد ترامب، ما بعد غزة، ما بعد الأسد).