“تسونامي” التنازلات يعيد رسم خريطة انتخابات الوفد… هل فُتح طريق العودة للسيد البدوي؟ تقرير

شهد بيت الأمة خلال الأيام الأخيرة حالة غير مسبوقة من الغليان السياسي والتنظيمي، انتهت بسلسلة تطورات دراماتيكية أعادت تشكيل المشهد الانتخابي لكرسي رئاسة حزب الوفد بصورة كاملة. فبعد أن كانت التوقعات تشير إلى سباق مزدحم قد يؤدي إلى تفتيت الأصوات بين عدد كبير من المرشحين، جاءت تنازلات ثلاثة من أبرز الأسماء الثقيلة لتقلب المعادلة رأسًا على عقب، وتفتح الباب أمام استقطاب حاد، يبدو في جوهره أقرب إلى تمهيد الطريق لعودة الدكتور السيد البدوي شحاتة إلى صدارة المشهد الوفدي.
لم تكن هذه التحولات مجرد تفاصيل عابرة في سباق انتخابي داخلي، بل كشفت عن أزمة أعمق تتعلق بهوية الحزب، وطبيعة القيادة المطلوبة في مرحلة دقيقة، يتداخل فيها الخطر المالي مع التآكل التنظيمي والابتعاد عن القواعد.
انسحاب الثلاثة الكبار وإعادة ترتيب البيت من الداخل
مثّل انسحاب كل من بهاء الدين أبو شقة، وياسر حسان، وعيد هيكل، نقطة تحول مفصلية داخل حزب الوفد. هذه الانسحابات المتتالية لم تُفهم داخل الأوساط الوفدية باعتبارها قرارات فردية نابعة من حسابات شخصية، بل جرى التعامل معها كجزء من إعادة تموضع واسعة للقوى التقليدية داخل الحزب، ومحاولة واعية لإعادة ترتيب البيت من الداخل قبل لحظة الحسم.
خروج أبو شقة وهيكل تحديدًا، بما يحملانه من ثقل تنظيمي وشبكات تأثير داخل اللجان والدوائر الانتخابية، أدى عمليًا إلى تفكك كتل تصويتية كانت محسوبة عليهما، وأعاد توجيه البوصلة تلقائيًا نحو الخيار الأكثر خبرة وحضورًا في الذاكرة الوفدية، وهو السيد البدوي. ومع هذه الانسحابات، انهار سيناريو تفتيت الأصوات، وبدأت ملامح معركة ثنائية في التشكل.
هل فُتح الطريق لعودة السيد البدوي؟
في ظل هذا المشهد الجديد، برز اسم السيد البدوي بوصفه المستفيد الأكبر من إعادة التموضع داخل الحزب. فبعد استبعاد بعض المرشحين لأسباب إجرائية، وتنازل الأقطاب الثلاثة، تقلصت رقعة المنافسة بشكل حاد، ما منح البدوي أفضلية تنظيمية وتاريخية يصعب تجاهلها.
يرى أنصار البدوي أن فترته السابقة في رئاسة الحزب تمثل نموذجًا لإدارة الأزمات، ويصفونها بالعصر الذي حافظ فيه الوفد على تماسكه رغم الضغوط السياسية والمالية. كما يشير مراقبون إلى أن انسحاب عيد هيكل، المعروف بدوره المحوري في التنظيم، فتح الباب أمام تفاهمات هادئة تمنح البدوي نفوذًا واسعًا داخل اللجان الإقليمية في القاهرة والأقاليم.
إلى جانب ذلك، يمتلك البدوي حضورًا إعلاميًا وقدرة خطابية تلامس القواعد الوفدية التقليدية، التي تبحث عن قيادة سياسية أكثر من بحثها عن إدارة مالية بحتة، قيادة تعيد للحزب رمزيته التاريخية وهيبته التي تآكلت في السنوات الأخيرة.
لماذا يتآكل مشروع الإنقاذ الاقتصادي؟
بالتوازي مع صعود فرص السيد البدوي، تصاعدت موجة اعتراضات داخل بيت الأمة على المشروع الذي يطرحه هاني سري الدين تحت شعار الإنقاذ الاقتصادي. هذه الاعتراضات لم تكن وليدة لحظة، بل جاءت نتيجة تراكمات تنظيمية وسياسية عميقة، انفجرت مع اقتراب موعد التصويت.
تتهم قطاعات واسعة داخل الحزب سري الدين بأنه يمثل تيار الوافدين من أعلى، الذين لم يتدرجوا في العمل التنظيمي من القواعد الشعبية في المحافظات، ولم يخوضوا معارك الوفد التقليدية في القرى والنجوع. ويُنظر إلى علاقته بالحزب باعتبارها بدأت من موقع الخبير الاقتصادي لا المناضل السياسي، وهو ما خلق فجوة نفسية وتنظيمية بينه وبين القواعد الوفدية البسيطة.
ويستعيد معارضوه واقعة استقالته من منصب السكرتير العام عام 2018 بعد أشهر قليلة من توليه المسؤولية، معتبرين أن هذه الخطوة تعكس عدم القدرة على الصمود في لحظات الشدة، وتثير شكوكًا حول تحمّل أمانة قيادة حزب بحجم الوفد في أوقات الأزمات.
مخاوف بيع الأصول وخصخصة بيت الأمة
أحد أخطر محاور الجدل الدائر داخل الحزب يتمثل في المخاوف المتصاعدة من خطة مالية يُعتقد أنها تهدف إلى تصفية أو تأجير أصول الحزب التاريخية تحت مسمى الإصلاح المالي. وتدور أحاديث غاضبة داخل اللجان النوعية حول نية تحويل مقرات الأقاليم إلى مشروعات استثمارية، وبيع أو تأجير رموز تاريخية تمثل ذاكرة الوفد وإرث سعد زغلول.
هذه المخاوف فجرت حالة غضب واسعة في المحافظات، حيث اعتبر تيار كبير من الوفديين أن الأزمة المالية لا يجب أن تُحل على حساب هوية الحزب وكرامته، وأن تحويل بيت الأمة إلى شركة تُدار بعقلية البنوك يمثل تهديدًا مباشرًا للخط الوطني المعارض الذي تأسس عليه الوفد.
الفشل التنظيمي والحضور الميداني الضعيف
زاد من حدة الانتقادات ما اعتُبر فشلًا تنظيميًا واضحًا في الجولات الميدانية التي قادها هاني سري الدين، خصوصًا في صعيد مصر. فقد كشفت الصور المتداولة من محافظة قنا عن حضور محدود للغاية، لا يعكس وزن حزب بحجم الوفد، ما عزز الانطباع بأن الحملة تُدار من مكاتب مغلقة بعيدًا عن الشارع الوفدي الحقيقي.
ورأى مراقبون أن محاولة تعويض هذا الضعف عبر لقاءات رسمية وبروتوكولية مع مسؤولين حكوميين لم تنجح في إقناع القواعد، بل زادت من شعور الاغتراب، ورسخت صورة مرشح يتعامل بعقلية الأرستقراطية السياسية، لا بعقلية النضال الشعبي التي لا تزال تحكم وجدان الوفديين، خاصة في الأقاليم.
الجمعية العمومية ومعركة الحسم
رغم كل هذه التحولات، تبقى الكلمة الفصل للجمعية العمومية التي تضم 5761 عضوًا. المعركة هنا لا تُحسم بالشعارات وحدها، بل بقدرة كل طرف على إدارة معركة تنظيمية ومالية معقدة، تبدأ بسداد الاشتراكات وتنتهي بالحشد يوم الاقتراع.
من ينجح في تحريك قواعده فعليًا، لا افتراضيًا، سيكون الأقرب إلى كرسي الرئاسة في 30 يناير، وهو ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في اختبار قوة التنظيم الحقيقي لا الخطاب الإعلامي.
تكشف التطورات الأخيرة أن حزب الوفد يقف عند مفترق طرق تاريخي. فتسونامي التنازلات لم يفتح فقط نافذة لعودة السيد البدوي، بل كشف في الوقت ذاته عن أزمة ثقة عميقة تجاه مشروع يُنظر إليه باعتباره اختزالًا للحزب في معادلات مالية باردة.
الاستقطاب الجاري اليوم ليس بين أسماء، بل بين رؤيتين: رؤية ترى الوفد حزبًا سياسيًا وطنيًا له تاريخ ونضال، وأخرى تتعامل معه كمؤسسة تحتاج إلى إعادة هيكلة اقتصادية. والحسم، كما جرت العادة في الوفد، لن يكون إلا بصوت القواعد.




