شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وجوه نسائية لا تغيب ملك حفني ناصف… الحكمة والبادية

لم تكن الكلمات عندها تركض، بل تمشي بثبات من يعرف أن الطريق طويل، وأن الفكرة إذا استعجلت كسرت صاحبها قبل أن تصل.
كانت تكتب كما تُمسك الكفّ الجرح: بحذر، وبوعيٍ أن الألم إن لم يُفهم قد يتحوّل إلى غضب أعمى. لم تكن ملك حفني ناصف امرأة صدام، لكنها لم تكن امرأة تراجع أيضًا، بل عقلًا يُدير الإصلاح بميزانٍ دقيق.

وُلدت ملك حفني ناصف عام 1886 في القاهرة، في بيتٍ يعرف قيمة اللغة ويؤمن بالعلم.
كان والدها حفني ناصف شاعرًا ومربّيًا، فتح لابنته باب المعرفة مبكرًا، غير أن المعرفة نفسها لم تكن ضمانًا لحرية المرأة. تعلّمت منذ الصغر أن المجتمع قد يحتفي بتعليم المرأة، لكنه يتردّد طويلًا قبل أن يحتمل رأيها.

نشأت في زمن نهضة فكرية حذرة، حيث تُفتح المدارس وتُغلق العقول في آن.
كانت الصحف تُكتب، والصالونات تُقام، لكن المرأة ظلّت غالبًا موضوعًا للنقاش لا طرفًا فيه. في هذا الفراغ بين القول والفعل، تشكّل وعي ملك حفني ناصف، وبدأ سؤالها الكبير: كيف نُصلح دون أن نكسر، وكيف نغيّر دون أن نُقصي؟

دخلت مجال التعليم، فصارت من أوائل الفتيات اللاتي عملن معلمات.
رأت في المدرسة ساحة تغيير، لكنها اكتشفت سريعًا أن التعليم — إن لم يُصاحبه تغيير في الذهنيات — يعيد إنتاج القيد ذاته بصورة أكثر تهذيبًا. كانت ترى الفتيات يتعلّمن، ثم يُعاد إدخالهنّ إلى دائرة الطاعة والانتظار.

في عام 1907، تزوّجت وانتقلت إلى الفيوم، وهناك اصطدمت بواقعٍ أشد قسوة مما كانت تتصوّر.
في الريف والبادية، رأت ملك حفني ناصف أوضاع النساء عارية من الزخرفة: زواج مبكر، حرمان من التعليم، صحة مهملة، وعادات تُدار باسم الدين وهي بعيدة عن روحه. كانت الصدمة موجعة، لكنها كانت كاشفة.

من هذه التجربة خرج اسم «باحثة البادية»، لا بوصفه لقبًا أدبيًا، بل موقفًا معرفيًا.
لم تكن ترى الإصلاح فكرة تُستورد جاهزة من المدينة إلى الريف، بل عملية تُصاغ من داخل الواقع، وباللغة التي يفهمها الناس. لذلك جاءت كتاباتها هادئة، عقلانية، بعيدة عن التحدّي الفجّ، لكنها شديدة العمق.

كتبت عن تعليم البنات بوصفه ضرورة أخلاقية واجتماعية، لا ترفًا حداثيًا.
كتبت عن الزواج باعتباره علاقة إنسانية تحتاج عدلًا ورحمة، لا عقدًا مقدسًا لا يُمسّ. وكتبت عن التقاليد بوصفها جزءًا من منظومة أوسع تحتاج إصلاحًا متدرّجًا، لا كسرًا فجائيًا يخلّف ضحايا أكثر مما يصنع منجزات.

شاركت في المؤتمر المصري الأول عام 1911، وقدّمت رؤية إصلاحية شاملة لقضايا المرأة.
طالبت بتنظيم الطلاق، وتقييد تعدد الزوجات، وتحسين أوضاع التعليم والصحة، وربط حقوق المرأة بكرامتها الإنسانية. لم تُقدّم أفكارها بلغة صدامية، بل بلغة تستند إلى العقل والدين والمصلحة العامة معًا.

في حياتها الخاصة، عاشت ملك حفني ناصف تناقضًا مؤلمًا.
امرأة واعية، ناقدة، لكنها زوجة تعيش قيود مجتمعها. لم تُعلن تمرّدًا علنيًا، لكنها سجّلت أوجاعها في الكتابة. كانت تعرف أن الإصلاح الذي لا يراعي الواقع قد يتحوّل إلى قسوة جديدة، وأن الحكمة أحيانًا أن تُقال الفكرة في الوقت الذي يحتملها الناس.

اتُّهمت بالمحافظة حينًا، وبالجرأة الزائدة حينًا آخر.
لكنها كانت ترى نفسها في منطقة وسطى صعبة، منطقة تحاول أن تُنقذ الفكرة من التطرف، وأن تُنقذ المجتمع من الانقسام. لم تكن تريد أن تنتصر على مجتمعها، بل أن تُقنعه.

لم تعش ملك حفني ناصف طويلًا.
رحلت عام 1918 وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، قبل أن ترى ثمار أفكارها، وقبل أن تكتمل معاركها. كان رحيلها المبكر خسارة لعقلٍ كان يمكن أن يضيف الكثير لو امتد به العمر.

ومع ذلك، تركت أثرًا يتجاوز السنوات.
تركت نموذجًا لامرأة فكّرت من داخل مجتمعها، لا من خارجه، وناقدت من موقع المحبة، لا من موقع القطيعة. تركت أسئلة لا تزال حيّة: كيف نُصلح دون أن نكسر؟ وكيف نغيّر دون أن نُقصي؟

ليست كل الثورات صاخبة، وليست كل الحكمة صمتًا.
بعض النساء يغيّرن مجرى التاريخ لأنهنّ عرفن متى يتكلمن، ومتى يصمتن، ومتى يتركن الفكرة تنضج قبل أن تُقال.

هكذا بقيت ملك حفني ناصف وجهًا لا يغيب، لا لأنها رفعت راية، بل لأنها حملت عقلًا موزونًا، وقلبًا حريصًا، وتركت للإصلاح أن يمشي على قدمين ثابتتين.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى