مصر

​علي الصاوي يكتب: ويحسبون أنهم على شيء

​في عالم السياسة لا تُثير لغة الصراخ والمظالم الفاعلين السياسيين بقدر ما تجذبهم لغة المصالح والمكاسب الصلبة والمشاريع الطموحة على طاولات التفاوض وفي تبادل الرسائل الدبلوماسية. وحين تعجز دولة ما أو تيار سياسي عن فرض نفسه في الميدان، تفوته فرصة إيجاد مقعدٍ له على الطاولة؛ فكلما زادت الفاعلية السياسية والحراك الدبلوماسي والتعاطي المرن، زادت الفرص في جني المكاسب وتحسين التموضع ونسج التحالفات التي تُقوّي شوكة المصالح في كثير من الملفات الإقليمية المعقدة، إذ لا مكان للعاطفة هنا أو الاستجداء، فالسياسة لا تفهم لغة التبرعات والعمل الخيري، بل دينها الواقعية وقبلتها المصالح.

​وعلى مدار سنوات رأينا كيف تبدّل المشهد السياسي في المنطقة بما انعكس على تغير القناعات وزعزعة الثوابت وإعادة النظر في الممارسات ذات الطابع الأيديولوجي، تلك التي حصرت نفسها في دائرة الصراع الصفري رافعة شعار “لنا الصدر دون العالمين أو القبر”، وكانت النتيجة أن جرت عليها هزائم ومظالم كانت في غنى عنها لو أنها تراجعت خطوة إلى الوراء. وقد رأينا نماذج كثيرة تمسكت بأفكار بالية عفا عليها الزمن، وممارسات سياسية شابت وضعفت، وبدلاً من التماهي مع المتغيرات المتسارعة واكتساب لغات سياسية متعددة لتوسيع دائرة التواصل وفسح المجال للفرص لتأتي وتتجدد، لجأت تلك النماذج إلى لغة جامدة خرساء، ورمت كلَّ من يريد تحريك الماء الراكد بتهم معلبة وعبارات تقليدية؛ خشية إذابة جليد الخيبة، وانهيار جبل الامتيازات، ومسح الطلاء المكذوب عن تضحيات سياسية مزعومة وما وراءها من احتكار الموارد وتضخم الأرصدة.

​تعيش تلك النماذج حالة من القصور الذاتي والانفصال عن الواقع وجلد الذات، عجزت عن صياغة مشروع سياسي حقيقي وتحديث آليات تعاطٍ جديدة مع المتغيرات الطارئة، منشغلة بإتقان موجبات اللوائح والتوجيهات التراثية عن موجبات الواقع وتغير موازين القوى. ومثلها في هذا الجمود والفشل مثل شركة قديمة كانت تعمل في السوق مدة نصف قرن بإنتاج ثابت، وحين جاورتها شركة ناشئة في التخصص نفسه وتعمل بطرق جديدة وسياسة تشغيل مختلفة مما جعلها منافساً قوياً، قررت الشركة القديمة الانتقال إلى سوق عمل آخر للعمل بطريقة التشغيل والخطط القديمة نفسها بدلاً من التغيير والتطوير لمجاراة متطلبات السوق وما طرأ عليه من تحديثات.

وحين ثار العمال بسبب كساد البضاعة وقلة الطلب وضعف الرواتب مع تراجع الأسهم في السوق، لجأ مجلس إدارة الشركة إلى اتخاذ قرارات فصل تعسفية لكل من يعترض مع تشويه سمعته واتهامه “بالعمالة للمنافس” والتضييق عليه في رزقه ونفسه، حتى لا يجد مخرجاً إلا أن يظل معلقاً في فقاعة الشركة والرضا بفتات الموائد العامرة لأعضاء مجلس الإدارة.

​ليس هناك أخطر على الإنسان من الأمل الكاذب والتفاؤل الساذج، يُخيّلان إليه أنه في الطريق نحو تحقيق غايته في حين أنه تائه لا يدري ما الذي يجري حوله؛ رحلة بلا نتائج، وطموح أفقه مسدود، وزاد ضعيف، وهزائم مريرة ألحقها الإنسان بنفسه قبل أن يُلحقه بها غيره. وعندما تتجلى له الحقيقة ويكتشف أنه فشل وخسر ولم يعد يملك غير بعض القصص الحزينة يثرثر بها على أطلال الذكريات، تراه يبتدع مظلمة يأكل بها ما بقي، وينفث دخان اليأس فيمن كانوا له تبعاً؛ اتقاءً للوم والعتاب وتحميل المسؤولية.

وما أكثرها من نماذج فاشلة ورّطت وتورّطت وضرّت وأضلّت، وبدلاً من الاعتراف بالخطأ والوقوف عنده، تراهم يكابرون ويجادلون ويكون حالهم كحال المؤذن الذي جاء المسجد متأخراً وقد صلى الناس الفجر، وحين سألوه وقد اقتربت الشمس من الشروق: لماذا لم تأتِ وقت الصلاة لترفع الأذان؟ فرد عليهم بقوله: أنا لم أتأخر، بل الشمس هي التي أشرقت اليوم مبكراً.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى