
ما كنتُ يومًا أبحث عن تعريفٍ للحب، لأنّ التعريف يقزّمه، ويضعه في قفصٍ من كلماتٍ لا تسعه. كنتُ أفتّش عنه كمن يفتّش عن ظلّه في ضوءٍ ساطع، وكمن يريد أن يلمس الريح ليطمئنّ أنّها موجودة.
الحبّ ليس وردةً تُقطف، ولا وعدًا يُقال، ولا قبلةً تُؤجّل، بل هو نَفَسٌ مشترك بين قلبين تعلّما كيف يعيش أحدهما من دون أن يخنق الآخر. ليس ذوبانًا، بل امتدادٌ ناعمٌ بين ذاتين احتفظتا بحدودهما، واحترمتا اختلافهما كما يحترم الليل وعده للفجر بالرحيل.
ما أجمل أن يكون في الحبّ صمتٌ يشبه الفهم، أن ينتهي الحديث لأنّ الكلمات استُهلكت في الطريق إلى الطمأنينة. ذلك الصمت الذي لا يوجع، بل يحتضنك كيدٍ تعرف متى تمسك ومتى تترك.
الحبّ في جوهره امتحانٌ للحرية: أن تحبّ دون أن تملك، وأن تُعطي دون أن تُذلّ، وأن ترى في الآخر نفسك من غير أن تضيع فيها. لا تذوب لتختفي، بل لتُضيء.
حين قالت: «ليس الحب وعدًا بالبقاء، بل نيّة ألّا تؤذي قلبًا ائتمنك يومًا على نفسه»، أحسستُ أنّها اختصرت الحكمة كلّها. فالمحبّ الشريف لا يقيس نفسه بمدى بقائه، بل بنقاء أثره بعد الرحيل.
لذلك أقول: الحبّ لا يموت حين يغيب الجسد، بل حين يتلوّث الأثر. فابقوا أنقياء كما بدأتم، ولا تجعلوا الودّ يشيخ في قلوبكم.
الحبّ في جوهره أقرب ما يكون إلى فكرة الحرية المسؤولة؛ تلك التي لا تُهدم بالأنانية، ولا تُبنى على التملّك. الحرية — كالحب — لا تُمنح لمن يريد أن يستعبد بها أحدًا، بل لمن يُدرك أنّ كل روحٍ أمانة، وكل قلبٍ مساحة مقدّسة لا يجوز اقتحامها باسم الودّ أو الشغف.
في الحبّ كما في السياسة، يخطئ من يظنّ أنّ السيطرة دليل القوّة، أو أنّ التبعية دليل الوفاء. الحبّ لا يعرف المستبدّ ولا المقهور، بل يعرف التوازن بين عطاءٍ طوعيٍّ وكرامةٍ مصونة. كل علاقةٍ لا تحفظ حرية الطرفين تتحوّل إلى سجنٍ جميل الجدران، قاتلٍ للمعنى، مهما امتلأ بالوعود.
من هنا يصبح الحبّ — في أسمى تجلياته — تدريبًا يوميًّا على الليبرالية بمعناها الإنساني، لا الحزبي. أن تُحبّ يعني أن تؤمن بحقّ الآخر في أن يكون نفسه، أن يختلف، أن يبتعد، أن يعود، دون أن تشعر أنّك فقدتَه، لأنّك لم تملكْه أصلًا.
وتمامًا كما نؤمن أنّ الوطن لا يُبنى بالولاء الأعمى، بل بالاختلاف الشريف، كذلك الحبّ لا يُزهر بالذوبان، بل بالاحترام. لا وطن بلا حرية، ولا حبّ بلا كرامة. لذلك أكتب هذه الورقة لا لأُعرّف الحبّ، بل لأعتذر له عن كلّ من جعله شعارًا للأنانية أو ذريعةً للسيطرة. فالحبّ — كما الحرية — لا يعيش إلا في قلبٍ نبيلٍ يعرف متى يُمسك، ومتى يُطلق سراح الطير.
ما أجمل أن يُغلق الحبّ دائرته على همسةٍ لا تُقال… أن يبقى في القلب كقصيدةٍ لم تكتمل، وكوعدٍ لا يريد أن يُكسر.
أحيانًا، يكون أجمل ما في الحبّ أنّه لم يحدث كما تمنّينا، لأنّ النقصان هو الذي يُبقي الوجدان يقظًا، والحنين حيًّا. فالكمالُ موتٌ مبكّر، والعشقُ — حين يكتمل — ينتهي إلى سكونٍ لا يشبه الحياة.
أحببتكِ كما يحبّ النهر ضفّتَه البعيدة، يراها كل يومٍ ولا يصل. تركتُ لكِ في روحي مقعدًا لا يجلس عليه أحد، لأنّ بعض الغياب أجمل من كلّ الحضور.
لهذا أؤمن أن الحبّ الحقيقي ليس أن نكون معًا، بل أن نكون أحرارًا في أن نختار ألا نؤذي. وأن نُبقي الأثر طيّبًا، كما تبقي النار دفئها في الرماد، لا لهيبها في اللهب.
ما أبهى أن نُحبّ كما تُصلّي الطيور عند الفجر: بصمتٍ، وارتجافٍ، وصدقٍ لا يُرى…
ذلك هو الحبّ الذي لا يموت،
بل يتحوّل — مع كل فجرٍ جديد —
إلى معنى آخر من معاني الحرية.







