
يواجه مجتمعنا اليوم أزمة حقيقية في إدارة الخلاف. كثيرون يظنون أن مجرد مناقشة ما يعتبرونه “ثوابت” هو تهديد، فيغلقون أبواب الحوار ويستعيضون عنه بالرفض أو الاتهام. لكن الحوار لا يعني بالضرورة الموافقة، بل هو مساحة لفهم الذات والآخر، وللوصول إلى حلول أو قواسم مشتركة.
قناعتي أن الإنسان له حقوق بصرف النظر عن قناعاتي الشخصية فيه. فكما أدافع عن حق علاء عبد الفتاح في الخروج من السجن بعد أن قضى عقوبته، رغم اختلافي الجذري مع كثير من توجهاته، فإنني أدعو دومًا إلى التفريق بين الرأي في الشخص وحقوقه الإنسانية والقانونية.
لماذا نتحاور؟
الحوار ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية.
• لأنه يوسّع مداركنا: عندما نسمع الرأي المخالف، نختبر أفكارنا ونعرف مدى قوتها أو هشاشتها. • لأنه يبني الثقة: الحوار الصادق القائم على الاحترام يجعل حتى المختلفين يشعرون بالطمأنينة. • لأنه يقود للتعايش: لا يمكن لمجتمع متنوع أن يستمر دون آلية لتدبير الاختلاف. قواعد الحوار الراشد
- التفريق بين الفكرة وصاحبها انتقاد الفكرة ليس إساءة للشخص. احترام الإنسان ثابت، واختلافنا مع رأيه عابر.
- الاستماع قبل الرد كثيرون لا يسمعون ليجيبوا، بل ليستعدوا للهجوم. الاستماع الجيد نصف الحوار.
- الاحترام أساس لا يُمسّ حتى مع أعنف الاختلافات، هناك خطوط لا تُتجاوز: لا سب، لا سخرية، لا انتقاص.
- الاعتراف بالجهل فضيلة ليس عيبًا أن أقول: “لا أعرف”. العيب أن أدّعي معرفة مطلقة وأغلق باب النقاش.
- الفصل بين القناعة والحق قد أرفض فكرة في قناعاتي، لكن لا أنكر على صاحبها حق التعبير عنها. هذا جوهر العدالة.
- التواضع الفكري العقل البشري محدود، وما أراه “ثابتًا” قد يتغير غدًا بعلم جديد أو تجربة مختلفة.
- المسؤولية في التعبير الحرية لا تعني الفوضى. الرأي يُطرح بلغة منضبطة تراعي السياق والمجتمع. العقبة الكبرى: شخصنة الحوار كثيرًا ما تتحول المناقشات عندنا إلى محاكمات للنوايا بدلًا من نقاش للأفكار. من يقول رأيًا مغايرًا يُتهم بالخيانة أو الكفر أو الجهل. هذه الشخصنة تقتل الحوار قبل أن يبدأ. المطلوب أن نفصل بين كرامة الفرد وصحة رأيه: الأولى مصونة دومًا، والثانية محل نقاش.
ثمرة الحوار
الحوار الناجح لا يعني أن ينتهي أحدنا منتصرًا والآخر مهزومًا. بل أن نخرج جميعًا أكثر وعيًا. قد لا نغيّر قناعاتنا، لكننا سنكسب:
• وضوحًا أكبر في فهم حججنا. • قدرة على احترام المختلف. • مساحة مشتركة نعيش فيها دون أن يبتلع أحدنا الآخر. خاتمة
الحوار هو مدرسة للحرية والعقل. هو تمرين على أن نكون بشرًا قبل أن نكون أنصارًا لأفكارنا. دعوتي الدائمة: ناقشوا بلا شخصنة، جادلوا بلا إقصاء، وافتحوا أبواب العقل بلا خوف. عندها فقط يصبح الاختلاف ثراءً، لا نقمة.
إلى الذين لا يفهمون مغزي كلامي ويشخصنون حواراتي وليس لديهم غير “وكنت فين أيام مبارك” فليجهدوا أنفسهم ويشاهدون ويقرأون التالي.






