انتخابات الوفد تشتعل وسط مخاوف من بيع أصول الحزب تحت شعار الإصلاح المالي… هل يبيع هاني سري الدين تاريخ الوفد؟

تعيش أروقة بيت الأمة واحدة من أكثر لحظاتها توترًا وغليانًا منذ سنوات، مع تصاعد غير مسبوق في حدة الصراع داخل حزب الوفد، على خلفية التقارير المتداولة التي تهاجم الدكتور هاني صلاح محمد سري الدين، وتتهمه صراحة بالسعي للهيمنة على مفاصل الحزب التاريخي لصالح تكتلات اقتصادية ورجال أعمال، في معركة انتخابية تجاوزت حدود المنافسة التقليدية، لتتحول إلى صراع وجودي على هوية الحزب ومستقبله.
وبحسب ما يدور في كواليس الانتخابات، فإن الانتقادات الموجهة إلى الدكتور هاني سري الدين لم تعد تقتصر على برامج أو رؤى، بل امتدت إلى التشكيك في انتمائه الحقيقي للبيت الوفدي، واتهامه بتمثيل ما يُعرف داخل الحزب بـ«تيار الوافدين»، وهو التيار الذي ترى فيه قطاعات واسعة من الوفديين خطرًا مباشرًا يهدد بتحويل الحزب من كيان سياسي نضالي إلى كيان استثماري يُدار بعقلية الشركات والبنوك، بعيدًا عن الشارع الوفدي البسيط الذي شكّل عبر عقود العمود الفقري للحزب.
وتؤكد مصادر وفدية أن هذه الاتهامات لا تعكس آراء فردية أو تصفية حسابات شخصية، بل تمثل رصدًا دقيقًا لما يجري داخل الاجتماعات المغلقة، واللجان النوعية، ومقار المحافظات، في واحدة من أكثر انتخابات الحزب سخونة منذ عقود.
اتهامات “الوافد” والقطيعة مع القواعد الشعبية
تصاعد الهجوم على الدكتور هاني صلاح محمد سري الدين بوصفه شخصية لم تنشأ داخل النسيج التنظيمي الوفدي، ولم تخض معارك الحزب التاريخية في المحافظات أو القرى أو النجوع، بل جاءت – وفق منتقديه – من خارج السياق الطبيعي لتدرج القيادات.
ويرى معارضوه أن علاقته بالوفد بدأت من القمة، عبر بوابة الخبرة الاقتصادية والعلاقات النخبوية، لا من القواعد الشعبية التي عاشت تاريخ الحزب وخاضت معاركه السياسية والتنظيمية. ويعتبر هؤلاء أن هذا النمط من القيادة يمثل تهديدًا مباشرًا للأيديولوجية الوفدية القائمة على النضال الوطني، والعمل الجماهيري، والالتحام بالشارع، وليس على الحسابات المالية الباردة أو إدارة الحزب بمنطق الربح والخسارة.
وفي هذا السياق، يتردد داخل أوساط الحزب تساؤل مركزي:
هل يمكن لشخص لم يعش معاناة التنظيم، ولم يتدرج في صفوفه، أن يقود بيت الأمة في واحدة من أكثر مراحله حساسية؟
استقالة 2018… جرح لم يلتئم
عادت إلى الواجهة بقوة واقعة استقالة الدكتور هاني صلاح محمد سري الدين من منصب السكرتير العام للحزب عام 2018، بعد أربعة أشهر فقط من توليه المهمة، في توقيت وصفه الوفديون حينها بـ«الأكثر اضطرابًا» في تاريخ الحزب الحديث.
ويعتبر معارضوه أن هذه الاستقالة لم تكن مجرد قرار إداري، بل مؤشرًا واضحًا على عدم قدرته على الصمود في وجه الضغوط وتحمل أعباء القيادة وقت الأزمات. ويرفض كثيرون تبريراته السابقة، مؤكدين أن الحزب كان في أمسّ الحاجة إلى التماسك لا الانسحاب، وأن من يترك موقعه وقت الشدة لا يمكن أن يُؤتمن على قيادة الحزب في لحظة مصيرية.
ويؤكد أعضاء الجمعية العمومية أن هذه الواقعة لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة الوفديين، وتُستخدم اليوم كأحد أهم أسباب التشكيك في أهليته لقيادة بيت الأمة.
بيع الأصول تحت شعار “الإصلاح المالي”
داخل اللجان النوعية، تتصاعد المخاوف من خطة منسوبة إلى الدكتور هاني صلاح محمد سري الدين، تقوم – بحسب ما يُتداول – على معالجة الأزمة المالية عبر تصفية وبيع أصول الحزب التاريخية تحت مسمى «الإصلاح المالي».
وتشير أحاديث غاضبة إلى نية تأجير مقرات الحزب في الأقاليم بعقود طويلة الأجل، وتحويل بيت الأمة إلى مشروع استثماري يخدم مصالح كبار رجال الأعمال، على حساب الدور السياسي والتاريخي للحزب.
ويرفض تيار واسع داخل المحافظات هذه السياسات، معتبرًا أنها تمثل خصخصة صريحة لتاريخ الوفد، وبيعًا لإرث سعد زغلول لمن يدفع أكثر، وهو ما فجّر موجة غضب غير مسبوقة في مقرات الحزب بالمحافظات، وخلق حالة تعبئة ضد ما يُوصف بـ«مشروع بيع الوفد».
تعالٍ على القواعد وصدام مع الشباب
تُظهر تقارير لجان الأقاليم حالة استياء متصاعدة من أسلوب إدارة الدكتور هاني صلاح محمد سري الدين لحملته، حيث يتهمه الوفديون بالتعالي على القواعد البسيطة، وفرض قيود معقدة على التواصل مع أعضاء الحزب، والاكتفاء بلقاءات رسمية مغلقة.
ويروي أعضاء من صعيد مصر أن سري الدين يدير المشهد من داخل مكاتب فاخرة، بعقلية أرستقراطية لا تفهم طبيعة العمل الميداني ولا النضال الشعبي، مؤكدين أن هذا الأسلوب عمّق الفجوة بينه وبين القواعد.
كما يتداول شباب الحزب وقائع صدام مباشر معه، وتقليله من دورهم داخل الهيئة العليا، وهو ما انعكس سلبًا على صورته، في مقابل منافسين يحرصون على فتح مقارهم وأبوابهم أمام الجميع دون تمييز.
صفقات الغرف المغلقة وقلق من السيطرة على القرار
تكشف مصادر من داخل الهيئة العليا عن مخاوف عميقة من برنامج الدكتور هاني صلاح محمد سري الدين، الذي يركّز – وفق هذه المصادر – على سداد الديون مقابل إحكام السيطرة الكاملة على القرار الإداري والسياسي داخل الحزب.
ويربط متابعون بين هذه الطروحات وبين تحركات بعض رجال الأعمال الراغبين في تحويل جريدة الوفد إلى منصة إعلامية تخدم مصالحهم، بعيدًا عن خطها المعارض ودورها التاريخي.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات المهندس حمدي عبد الوهاب محمد قوطة، التي أكد فيها أن حل الأزمة المالية لا يجب أن يتم على حساب كرامة الوفديين أو عبر تسليم مفاتيح بيت الأمة للممولين، محذرًا من عواقب هذا المسار على استقلال الحزب.
تحذيرات أخيرة ومعركة هوية
يحذر قياديون داخل بيت الأمة من الانسياق وراء ما يصفونه بوعود انتخابية براقة تفتقر إلى آليات تنفيذ حقيقية، مؤكدين أن التجربة السابقة للدكتور هاني صلاح محمد سري الدين، سواء داخل الحزب أو خلال رئاسته للجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، لم تُسفر عن حلول ملموسة لأزمات الوفد.
وتخلص النقاشات الدائرة في الغرف المغلقة إلى أن المعركة الحالية لم تعد معركة أشخاص، بل معركة هوية، وضرورة التصدي لما يُسمى بـ«تيار المال السياسي» لحماية إرث سعد زغلول من البيع والخصخصة السياسية.
خلاصة المشهد
انتخابات الوفد المقبلة لم تعد مجرد استحقاق تنظيمي، بل اختبارًا حاسمًا لمستقبل الحزب:
إما الحفاظ على تاريخه كحزب وطني جماهيري،
أو الانزلاق إلى نموذج حزب تُديره الحسابات المالية قبل المبادئ السياسية.




